‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسة. إظهار كافة الرسائل

18 فبراير 2014

عن فيدرالية اليمن

بعد إعلان اليمن دولة فيدرالية من 6 (ستة) أقاليم، انبرى المصريون كعادتهم في لعب دور "الشقيقة الكبرى" منتقدين القرار و متعجبين من فرحة بعض (أو معظم حسب الفريق الذي تقف معه) اليمنيين بالقرار.
طبعا لا داع للتذكير بوجود دول فيدرالية أخرى في هذا العالم، مثل الولايات المتحدة و ألمانيا و الإمارات العربية و غيرها، حيث يكون الرد عادة مثلما في تلك التغريدة.


و السؤال هنا، إذا افترضنا جدلا إن الدولة الموحدة أفضل من الدولة الفيدرالية، فلماذا لم تسعَ أي من تلك الدول لذلك؟
بل إن كثير من تلك الدول الفيدرالية سنحت لها فرصاً لسيطرة الحكومة المركزية على الحكم لكنها لم تستغلها.
مثلا الولايات المتحدة بعد انتصار الشمال في الحرب الأهلية بسبب رفض الجنوب إلغاء الرق.
لم تحاول الحكومة المنتصرة إعلان دولة موحدة تجنبا لأي احتمال مستقبلي بتكرار رفض بعض الولايات لتشريع اتحادي، رغم إنه باستطاعة المنتصرين عادة فرض قواعدهم على المنهزم، بل إن التغيير الجغرافي كان في استقلال ويست فيرجينيا عن الولاية الأم -أو تقسيم الولاية حسب الرؤية المصرية- و كذا نيفادا عن ولاية يوتا. أكثر من ذلك فإن الولايات المتحدة لم تبدأ بالتقسيم الفيدرالي الموجود حاليا بل شهد تاريخها استقلال و تقسيم عديد الأراضي يمكن الاطلاع عليها هنا.

مثال آخر هو دولة ألمانيا التي عانى شعبها من التقسيم بعد الحرب العالمية الثانية، لكنهم هدموا سور برلين بعد ذلك معلنين رغبتهم في اندماج القسمين الشرقي و الغربي في دولة واحدة كما كان الحال قبل التقسيم. السؤال هنا، لماذا لم يُكمل الألمان الطريق و يطالبون بدولة موحدة لا فيدرالية، إذا كان هذا -بحسب الخبراء الاستراتيجيين المصريين- الوضع الأفضل لأي دولة؟

في الأنظمة السياسية لا يوجد ما يُسمى بالأفضل و الأسوأ. كل شعب من حقه اختيار الطريقة التي تناسبه، و طالما بقيت السياسة الخارجية واحدة و القوات المسلحة تحت إمرة الحكومة الاتحادية فهذه دولة ذات سيادة، لا تقسيم كما يصفه البعض هنا.

تعتبر الفيدرالية هي الوضع الأفضل لأي دولة متعددة الأعراق أو الأطياف. الفيدرالية هي الحل للولايات المتحدة بسبب الاختلاف الكبير في العادات و أسلوب الحياة بين ولاية و أخرى خاصة الشمال و الجنوب.

يُعتبر العراق مثالاً محبباً لمن يصفون الفيدرالية بالتقسيم.
"انظر ماذا جلبت الفيدرالية للعراق؟ حكومة غير مستقرة و بلد على شفا حرب أهلية"

حسنا، إن الوضع في لبنان ليس أفضل من العراق بأي حال و لبنان ليست دولة فيدرالية بل دولة موحدة، فهل الفيدرالية هي سبب الاقتتال الأهلي فعلا؟
هل منعت الدولة الموحدة في لبنان وجود دولة حزب الله داخل حدود الدولة اللبنانية "ذات السيادة"؟
هل منعت الدولة الموحدة تدخل القوى العربية و الغربية في شؤون اللبنانيين؟

المثال الآخر المحبب لأصحاب نظرية (الفيدرالية = تقسيم) هو السودان و تحديدا انفصال الجنوب.
إن استفتاء استقلال الجنوب شهد موافقة 98.83% على الانفصال أي إن 1.7% فقط (واحد و سبعة أعشار بالمائة) رفضوا الانفصال. هذا الاستفتاء كان محددا موعده قبل ذلك بأكثر من خمسة أعوام، فماذا فعلت حكومة السودان لإقناع شعب الجنوب؟ لا شيء!
لم تستطع حكومة السودان إلا إقناع أقل من 2% من أهل الجنوب بأفضلية التواجد حتى ضمن دولة فيدرالية!

دعونا لا نخدع أنفسنا.
إن أي دولة عربية منقسمة عِرقيا أو طائفيا لن تبقى دولة موحدة إلا إذا حكمها أحدهم بالحديد و النار كصدام حسين في العراق أو حافظ الأسد و من بعده ابنه في سوريا أو علي عبد الله صالح في اليمن، و هذا الحاكم لن يحكم بالعدل و لن يتورع عن القيام بمذابح ضد الأقليات العِرقية أو استبعادهم من المناصب العليا على الأقل و خصوصا في الجيش و بطبيعة الحال لن يتخلى عن الحكم أبدا.

أي إن ما ينصح المصريون به نظراءهم في الدول العربية ذات الطوائف المتعددة هي نفس النصيحة التي يعطيها الكثيرون هنا للزوجة التي يسيء زوجها معاملتها بالبقاء معه و تحمل إهاناته و اعتداءاته مقابل المسكن الذي يوفره لها، أو بحسب التعبير الشعبي "ضِل راجل ولا ضِل حيطة".

لا مشكلة في أن تنازلوا عن كل أو بعض حقوقكم مقابل أن تظل الدولة موحدة.

إن بديل الفيدرالية اليوم في اليمن هو حرب أهلية و تقسيم حقيقي.
إنني أتوقع أن ينقسم اليمن في النهاية للأسف، لكن هذا لن يحدث لأنهم اختاروا الفيدرالية اليوم. بديل الفيدرالية اليوم هو الانقسام بحق أو حرب أهلية أيهما أسوأ في نظرك.

لقد اجتمع الحلفاء بعد انتصارهم في الحرب العالمية الثانية لا لتقسيم ألمانيا فحسب، بل لتقسيم عاصمتها برلين أيضا، لكن نظراً لأنهم شعب واحد لم يقبل الألمان بهذا الوضع أكثر من أربعين عاما تقريبا، فلا داع للحديث عن مؤامرات الغرب علينا.

14 يناير 2014

دستور مصر - نظام الحكم

لا يعتبر باب نظام الحكم من الأبواب التي تثير جدلاً في دستور مصر، لا دستور 2014 و لا حتى دستور 2012. هناك شبه اتفاق تام على أن الأنسب لمصر هو نظام شبه رئاسي على غرار النظام الفرنسي، حيث يتم انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب و يقابله رئيس وزراء و حكومة تستمر في عملها طالما حظيت بثقة البرلمان.

على عكس أبواب الحقوق و الحريات و المقومات الأساسية و مواد هوية الدولة و المواد الخاصة بالمؤسسة العسكرية، بل و حتى تطبيق العزل السياسي من عدمه، فإن هذا الباب لا يتم التطرق إليه إلا من باب الفخر بمقدرة كل جمعية تأسيسية على "تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية".

سأحاول هنا الحديث عن لماذا أعتبر أن هذا الباب من الدستور هو أهم الأبواب و عن سبب رفضي للنظام شبه الرئاسي و توقعي بأن يكون السبب في إسقاط النظام القادم أو الدستور بأكمله.

قبل الحرب العالمية الأولى، لم تعرف الأنظمة الديمقراطية إلا نظامين، رئاسي و برلماني، في الأول يتولى رئيس الجمهورية منصب رئاسة الدولة و رئاسة الحكومة بينما في الثاني يتولى رئيس شرفي أو ملك منصب رئاسة الدولة و يتولى رئيس للوزراء رئاسة الحكومة و يكون مسؤولاً أمام برلمان منتخب من الشعب، و لا يمارس رأس الدولة في تلك الحالة أي سلطة تنفيذية.

بداية، ليس هناك نظام أفضل من الآخر، فلكل منهما مزاياه و عيوبه كذلك و ليس الذكاء هو اختيار النظام المناسب لطبيعة البلد فقط، بل الذكاء بداية هو معرفة أنه أيا كان الاختيار فهو يحمل معه ثمناً لابد من دفعه.

مميزات النظام الرئاسي:
  1. فصل تام بين السلطات.
  2.  يستطيع الرئيس اختيار فريقه المعاون من الوزراء لتطبيق برنامجه بحرية دون الحاجة لإجراء مواءمات في حالة عدم فوز حزبه بأغلبية مقاعد البرلمان.
  3.  يتم اختيار الرئيس، الموظف التنفيذي الأعلى، مباشرة من الشعب.
  4.  يستطيع نواب البرلمان من حزب الرئيس اتخاذ مواقف مستقلة بحرية أكبر دون الخوف من إسقاط الحكومة و دون الخوف من تلويح الرئيس بوضع موضوع المناقشة كتصويت لسحب الثقة.

عيوب النظام الرئاسي:
  1. شخصنة النظام السياسي في رئيس الدولة.
  2.  قد تحدث حالة من الشلل السياسي في حالة كان الرئيس من حزب مخالف للأغلبية البرلمانية.
  3.  عدم إمكانية المحاسبة السياسية للرئيس أو أي من وزرائه، و يتم الاكتفاء فقط بحق البرلمان في تقرير مسؤوليته الجنائية إذا ارتكب جناية أثناء ولايته، و هذا يعني خضوع الوزراء للرئيس فهو من يملك تعيينهم و عزلهم.
  4.  بانتهاء ولاية الرئيس، يخرج فريقه السياسي بالكامل تقريبا، و يحل محلهم آخرون مع الرئيس الجديد و هذا يعني فقدان ميزة تراكم الخبرات السياسية.
  5. النظام الرئاسي يجعل هناك حالة من الصراع الصفري فمكسب طرف يعني خسارة آخر حيث لا يوجد سوى فائز واحد فقط.
  6.  تكون هناك فترة في نهاية الولاية الثانية للرئيس حيث يدرك جميع من يعمل في الجهاز التنفيذي للدولة إن الحكومة راحلة و تنفك قبضتها المسيطرة إلى حد ما.

مميزات النظام البرلماني:
  1. تقليل إمكانية الصراع الصفري حيث يمكن لعدد من الأحزاب الفوز بمقاعد في البرلمان و ربما المشاركة في ائتلاف حاكم.
  2.  أعضاء الحكومة يتم اختيارهم من نواب البرلمان و هذا يعني تمتعهم بخبرات سابقة.
  3.  يمكن تغيير رئيس الحكومة في حالة فشله دون إسقاط النظام بأكمله.
  4.  يستطيع رئيس الوزراء اتخاذ بعض القرارات الصعبة المثيرة للجدل بوضع القرار كتصويت بسحب الثقة، في حالة رفضه تسقط الحكومة فيجبر أعضاء ائتلاف الأغلبية على التصويت لمصلحته.

عيوب النظام البرلماني:
  1. عدم وجود فصل بين السلطات.
  2.  إذا حصل حزب ما على أغلبية برلمانية أكثر من 50% فإنه يسيطر على البلاد لحين الانتخابات التالية، و تكون تلك السيطرة تامة إن كان النظام السياسي ذا غرفة برلمانية واحدة.
  3.  في حالة عدم حصول حزب على أغلبية مطلقة يضطر لتكوين تحالف يجعله لا يستطيع تطبيق برنامجه بالكامل، و تزداد المشكلة سوءا في حالة دخول عدد كبير من الأحزاب للبرلمان و اضطرار رئيس الوزراء لتكوين ائتلاف كبير ما يضيع المسؤولية السياسية بينهم و لا يستطيع الناخب تقرير أي من تلك الأحزاب مسؤول عن الفشل.
  4.  يخضع النواب لرؤساء أحزابهم، خصوصا نواب حزب (أحزاب ائتلاف) الأغلبية، فسقوط الحكومة قد يُسقِط البرلمان نفسه و يُفقدهم مناصبهم.
  5.  يمكن نظرياً تغيير الحكومة، لكن التجربة العملية أثبتت إن حكومات الأغلبية نادراً ما يتم سحب الثقة منها.
  6.  قد يظل رئيس الوزراء لفترة طويلة في السلطة إذا استمر الشعب في انتخاب حزبه، و قد يدفعه هذا لمحاولة اكتساب مزيد من السلطات مثل أردوجان في تركيا.


رغم هذا التقسيم كمميزات و عيوب إلا أنه يجب ملاحظة أن بعض تلك النقاط يمكن أن تنتقل للخانة المضادة إذا لم يتم تصميم النظام بصورة جيدة، فمثلا قدرة رئيس الوزراء على تمرير قرار بوضعه كتصويت لسحب الثقة يمكن استغلاله لتمرير قرارات سلطوية (ديكتاتورية) تحت سيف تهديد النواب بحل البرلمان حالة عدم تمرير القرار، و كذا الفصل بين السلطات في النظام الرئاسي يمكن أن يتحول لحالة من الشلل السياسي إذا وُجِدت حالة من العناد المتبادل بين السلطتين التنفيذية و التشريعية.

يجب أن نعرف هنا السياق التاريخي لنشأة النظام البرلماني، الذي بدأ من المملكة المتحدة و انتقل منها لباقي دول العالم، فهذا النظام فرضته الضرورة هناك، حيث لم يكن من الممكن وجود حكومة ديمقراطية مسؤولة أمام الشعب أو ممثليه و استمرار وجود الملك أو الملكة في ظل أي نظام آخر، فلا يمكن وجود رئيس و ملك مثلا في نفس الوقت، و بالتالي كان النظام البرلماني هو الخيار الوحيد بصرف النظر عن مثاليته من عدمها.
أغلب تلك الدول التي تطبقه بنجاح هي دول ملكية أو امبراطورية كالسويد و هولندا و إسبانيا و اليابان و هذا يعني وجود شخصية يستحيل معها أن يفكر الحزب الحائز على الأغلبية البرلمانية من الانفراد بالبلاد تماما حيث تظل مكانة الملك محفوظة في نفوس الشعوب، و يضمن كذلك عدم تعرض البلاد لانتكاسة ديمقراطية إذا أتت الانتخابات ببرلمان مفتت.
و حتى الجمهوريات التي تطبقه كألمانيا و إيطاليا كانت تحت رقابة الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الذين لم يكونوا ليسمحوا بظهور هتلر أو موسوليني من جديد.
و لنا عِبرة في الجمهورية التركية حاليا حيث يسعى أردوجان جاهدا لتمرير دستور جديد يسمح له باستمرار التواجد في السلطة عبر تحويل البلاد للنظام شبه الرئاسي.
باختصار النظام البرلماني في ظل نظام جمهوري هو خطوة محفوفة بالمخاطر.


هنا قد يتبادر للذهن إن أفضل نظام هو الذي يتلافى عيوب أحد النظامين بدمج مميزات الآخر، و لكن الأمور ليست بهذه البساطة إذ أن جعل رئيس الوزراء و أعضاء الحكومة مسؤولين أمام البرلمان مثلا يعني فقدان رئيس الجمهورية القدرة على تنفيذ أي من وعوده الانتخابية في حالة كانت الأغلبية البرلمانية من حزب معارض، كما إن تحجيم الشلل الناتج عن اختلاف الرئيس و البرلمان لا يعني انتهاءه بل يعني انتقاله من صراع بين سلطتين إلى صراع داخل السلطة الواحدة و قد يتحول إلى صراع شخصي بين الرئيس و رئيس الوزراء.

ما هو النظام شبه الرئاسي؟
هو نظام يجمع بين خاصيتين:
  1. رئيس منتخب مباشرة من الشعب.
  2.  في مقابل هذا الرئيس يوجد رئيس وزراء و حكومة مسؤولين أمام البرلمان و لا يفقدون مناصبهم طالما ظلوا متمتعين بثقة البرلمان.

يمكن أن يؤدي تطبيق النظام شبه الرئاسي إلى وضع من ثلاثة:
  1. رئيس و أغلبية برلمانية من نفس الحزب.
  2.  رئيس و برلمان مفتت دون أن يمتلك أي حزب أغلبية كافية لتشكيل الحكومة.
  3. رئيس من حزب و أغلبية برلمانية من حزب آخر معارض.

إذا كنا أمام الحالة الأولى فسنكون أمام رئيس يتمتع بسلطات أقوى من تلك التي يمتلكها رئيس في ظل نظام رئاسي. دعنا من الأحلام الرومانسية بأن رئيس الوزراء سيكون مستقلاً عن الرئيس لأن الأخير لا يملك عزله، فهذا لا يحدث في روسيا مثلا و لا يحدث في فرنسا أيضا حيث تطبق الحكومة اليسارية برنامج الرئيس اليساري أولاند (هل تذكر ضريبة الـ 75% على من يزيد دخله على مليون يورو سنويا؟ هل كانت في برنامج الرئيس أم رئيس الوزراء؟)

أما الحالة الثانية فهي الطريق التي سلكتها دولة من أوائل الدول التي طبقت ذلك النظام، و هي جمهورية فايمار (ألمانيا 1919-1933) و انتهت بسقوط النظام بعد تجربة مريرة من حكومات ائتلافية لم تصمد إحداها كثيرا لينتهي الحال بالدولة في قبضة الحزب النازي، و نفس الحالة تكررت في عهد روسيا يلتسين حيث لم يتمتع حزبه و لا أي حزب معارض بأغلبية في البرلمان فكانت الاضطرابات و تغيير الحكومة السمة الرئيسية لعهده.

الحالة الأخيرة، و رغم إنها تبدو جذابة على الورق حيث يحدث نوع من التوازن بين سلطات الرئيس و رئيس الوزراء إلا إنها كانت من أصعب الفترات التي مرت على فرنسا التي عايشتها مرتين، و الطريف إن المرتين كان جاك شيراك طرفا فيهما، الأولى حين تولى رئاسة الوزراء في ظل رئاسة فرانسوا ميتران و الثانية حين صعد ليونيل جوسبان إلى منصب رئيس الوزراء في ظل رئاسته هو شخصيا. هذه الحالة التي اصطلح الفرنسيون على تسميتها "التعايش" أدت بالفرنسيين لتعديل الدستور في عام 2000 لقصر ولاية الرئيس على خمس سنوات و إجراء الانتخابات البرلمانية في نفس عام الانتخابات الرئاسية لأن الأمور لا تسير جيدا في ذلك الوضع و لتظل فرنسا عمليا بصفة شبه دائمة في الاحتمال الأول، رغم عدم استبعاد الاحتمالات الأخرى تماما.

و رغم إن فرنسا -و هي الدولة العريقة ديمقراطيا و التي تنخفض احتمالات تحولها لدولة سلطوية كثيرا عن مصر- قد وصلت لهذه القناعة بأنه لابد من إجراء انتخابات البرلمان بفاصل زمني بسيط بعد انتخابات الرئاسة، إلا أن واضعي الدستور المصري الذين أكدوا مرارا أنهم استرشدوا بالدستور الفرنسي في باب نظام الحكم تحديدا قد أتوا إلينا بالنسخة الأصلية من ذلك الدستور حيث مدة الرئيس في دستورنا 4 سنوات مقابل 5 سنوات للبرلمان (في فرنسا قبل عام 2000 كانت مدة الرئاسة 7 سنوات مقابل 5 للبرلمان) دون النظر لنتائج التجربة الفرنسية و التعديلات التي أُدخِلت عليها بمرور الزمن بعد تجربتها على أرض الواقع.


لكن حتى بفرض أننا استنسخنا النظام الفرنسي على هيئته الحالية، فهل هذا ما كانت تحتاجه مصر فعلا؟

الإجابة في رأيي، لا.
لم تكن مصر في حاجة لا لنظام نصف رئاسي و لا لوجود رئيس وزراء من الأساس، و في رأيي إن النظام الأفضل لمصر هو نظام رئاسي على غرار النموذج الأمريكي.

لقد كان عندنا في مصر رؤساء للوزراء منذ ثورة يوليو، فماذا فعلوا؟
لا شيء!!

و ليست المشكلة فقط في كون الرئيس هو من يملك وحده حق تعيينهم و عزلهم، فرغم إن البرلمان لم يكن يملك سحب الثقة من أي من الوزراء إلا أن المهتمين بالسياسة ما قبل ثورة يناير يعلمون جيدا انتشار ظاهرة "نائب الخدمات" الذي يستطيع كسب أصوات دائرته عن طريق الحصول على توقيعات من الوزراء لتسهيل بعض أمورهم مثل علاج على نفقة الدولة أو تعيين أبنائهم في وظائف و غيرها.
هذا كان يفعله الوزير لعضو البرلمان في ظل أن هذا الأخير لا يملك سحب الثقة منه، فما بالنا بما سيحدث حين يملك النائب بالفعل هذا الحق؟؟

إن التصور السائد بأن رئيس الجمهورية كان يُصدر ما يشاء من قرارات و قوانين دون الرجوع للوزير المسؤول هو تصور خاطئ، فأي شخص عمل بالحكومة يعلم جيداً أنه لم يصله أبدا أي قرار جمهوري، بل كان يصله قرار من رئيسه المباشر به إشارة للقرار الجمهوري، و إنه لو وصله قرار من رئيس الجمهورية شخصيا يجب عليه أن يرفض تنفيذه ما لم يتضمن توقيع رئيسه المباشر. هذا يعني إن توقيع الوزير كان ضروريا لسريان معظم القرارات (باستثناء أعمال السيادة كعقد معاهدة مع دولة أجنبية مثلا)، بل و حتى الاتفاقيات التي يتم إبرامها مع دول أجنبية كانت نشرات الأخبار تتناقل صورا لرئيسي الدولتين يقفان في الخلفية بينما يقوم الوزراء المعنيون بالتوقيع. دعك من كل هذا و أخبرني لماذ يُحاسب حبيب العادلي في قضية قتل المتظاهرين و سامح فهمي في قضية تصدير الغاز إذا كان رئيس الجمهورية هو من يُصدر القرارات و هم لا يملكون حق الاعتراض؟

إن أي وزير كان يثبت فشله في منصبه بصورة تحرج النظام كان يتم الإطاحة به مباشرة، مثل وزراء النقل عقب حوادث القطارات المختلفة، دون وجود ما يُلزِم رئيس الجمهورية بذلك، لأن في استمرارهم خطر على وجوده هو و نظامه. المشكلة كانت في إثبات فشل هؤلاء الوزراء أو كشف فسادهم و هو ما لن يحدث في مصر إذا كانت الحكومة تُشكل من أغلبية البرلمان، بل و نادرا ما يحدث في أعرق الدول الديمقراطية، و كلنا رأينا ما حدث في ظل حكم محمد مرسي، حيث كان يدعي حزب الحرية و العدالة إنه غير موافق على استمرار الحكومة و يُطالب رئيس الدولة بإقالتها، و حتى إن كانت تلك التصريحات صحيحة و ليست مناورة سياسية-و هو ما لا أعتقده- فهذا لا يعني إلا التهرب من المسؤولية بالإتيان بحكومة غير محسوبة على الحزب للتخلص منها في حالة فشلها دون الإضرار بالحزب نفسه.

إن الإصرار على "تقليص" صلاحيات الرئيس و اعتبار ذلك من الإنجازات، ما هو إلا قنبلة موقوتة مستعدة للانفجار في أي لحظة. إن رئيس الجمهورية الذي يعد الجماهير بالأحلام و حين يصل إلى كرسي الرئاسة يكتشف عدم قدرته على تحقيق معظمها سيلجأ إلى أساليب غير دستورية لمحاولة تقديم أي إنجاز قبل حلول موعد الانتخابات التالية. حدث هذا في روسيا يلتسين، و على أفضل الافتراضات سيؤدي إلى لجوء الرئيس لتعديل الدستور لضمان حصوله على أغلبية برلمانية مثلما حدث في فرنسا و حدث في روسيا أن تم رفع الحد الأدنى للتمثيل في البرلمان لضمان عدم تفتيته، لكن الوضع في مصر سيكون أصعب في ظل نظام المجلس النيابي الواحد الذي أقرته لجنة الدستور، ما يعني إنه لا توجد وسيلة لإعطاء الرئيس أغلبية برلمانية لتطبيق برنامجه دون تسليم حزب واحد الدولة بأكملها!

إن حتى تقليص الصلاحيات الذي يتم الحديث عنه مجرد كلام على الورق و أغلبه من الممكن جدا أن يعمل في الاتجاه العكسي
  1. لرئيس الجمهورية حق تعيين 5% من أعضاء مجلس الشعب، و إذا علمنا إنه على الأرجح سيأتي الرئيس من أحد الأحزاب الممثلة في البرلمان، فهذا سيعني إن حزبه سيحصل -و يظل محتفظا- بالأغلبية البرلمانية، أو على الأقل سيمنع أي حزب آخر من الحصول على تلك الأغلبية، حيث سيحتاج أي حزب للحصول على 52.63% لكي تتحول تلك النسبة بعد تعيينات الرئيس لـ 50%.
  2.  يسمح الدستور نظريا بمحاسبة رئيس الجمهورية بطريقتين، الأولى محاكمة على تهمة الخيانة العظمى أو مخالفة الدستور أو أي جناية أخرى (مادة 159) و الأخرى عبر عرض سحب الثقة في استفتاء (مادة 161) و رغم إن هاتين المادتين رائعتان من الناحية النظرية إلا إن دستور 1971 كان يتضمن مادة مماثلة للمادة 159 التي توجب محاكمة الرئيس بتهمة الخيانة العظمى و تشترط نفس ما يشترطه دستور 2014 من ضرورة موافقة ثلثي الأعضاء. إن هذه النسبة شبه مستحيل الحصول عليها إلا إن كان الرئيس مذنبا بالفعل و يعلم الجميع ارتكابه للذنب (مثل ريتشارد نيكسون) و حتى في هذه الحالة قد ينجو من ذلك التصويت (مثل بيل كلينتون)، ثم ما الداعي للمادة 161؟؟ هل سيحاول النواب سحب الثقة من رئيس الجمهورية في غير الحالات المذكورة في المادة 159؟؟ إذا ارتكب رئيس الجمهورية واحدة من تلك المخالفات فأمامهم المادة 159 التي تعفيهم من احتمال حل البرلمان حال براءة رئيس الجمهورية و إذا تمت البراءة بالفعل فهل سيخاطرون باللجوء للمادة 161 بعد ثبوت براءة الرئيس و ما يتبعها من ارتفاع نسبي في شعبيته؟؟ أما إن كانت حالة أخرى فما هي تلك الحالة التي تقتضي ذلك و سيوافق عليها الشعب غير الخيانة العظمة و مخالفة الدستور و ارتكاب جريمة جنائية؟ لست أدري في الحقيقة إلا إنها إحدى تلك المواد التي يتم وضعها لمجرد التفاخر بأن بإمكاننا سحب الثقة من الرئيس!
  3.  يضع رئيس الجمهورية بالاشتراك مع مجلس الوزراء السياسة العامة للدولة (مادة 150) و هنا أصل مشكلة ذلك النظام. ماذا لو كان توجه الرئيس السياسي مخالف لتوجه الحكومة؟ لا أحد يدري ما العمل.
  4.  لمجلس النواب حق سحب الثقة من الوزراء (مادة 131)، ماذا لو قرر مجلس الوزراء سحب الثقة من وزير الدفاع أو الداخلية أو الخارجية أو العدل؟؟ و هم من أعطى الدستور سلطة تعيينهم لرئيس الجمهورية (مادة 146)؟؟ على الأرجح ستتولى المحكمة الدستورية تفسير تلك المادة بعد صراع لا داع له بين الرئيس و البرلمان و إذا كان قرارها بعدم أحقية البرلمان في ذلك فها قد ضاعت قدرة البرلمان على محاسبة وزير الداخلية، الذراع الأمني لأي نظام، أما إن قررت المحكمة الدستورية أحقية البرلمان في سحب الثقة، فمرحبا بدخول القوات المسلحة حلبة الصراع بين الأحزاب السياسية!


هناك الكثير من الفِخاخ الموجودة في الدستور مما لا يتسع له المقام، و مما لا يستطيع شخص بمفرده حصره. يكفي فقط الإشارة للمادة 234 الخاصة بتحصين منصب وزير الدفاع لفترتين رئاسيتين كاملتين. هذه المادة وحدها بها مشكلتين
  1. في حالة عدم اكتمال إحدى المدد الرئاسية لأي سبب، كالوفاة أو الاستقالة أو غيرها، لا تحتسب تلك المدة.
  2.  يدعي الكثيرون إن تلك المادة لا تمنع عزل وزير الدفاع، فقط تسري في حالة تعيين آخر، لكن على أرض الواقع هذا غير صحيح. لكي يستطيع رئيس الجمهورية تغيير وزير الدفاع، ينبغي أن يكون استقر على خليفته و أبلغه بهذا قبل أن يعزل الآخر. القوات المسلحة لا تحتمل أن تبقى بلا قائد عام لبضع ساعات يجلس الرئيس ليفكر من يختار أو يتصارع قادة القوات المسلحة لنيل رضا الرئيس عنهم. فإذا كان الأمر كذلك فحتما ينبغي أن يوافق المجلس الأعلى على قراري العزل و التعيين في نفس الجلسة. نظريا المادة تعطي الرئيس حقاً لكنه عملياً لن يستطيع ممارسة هذا الحق أبداً.


إن النظام السياسي الأمريكي تم تنفيذه بعبقرية يُحسد واضعوه عليها، و حتى لو لم تأخذ مصر بالنظام الرئاسي فإن نظرة على نقطة واحدة في ذلك النظام توضح كيف يتم التخطيط لوضع نظام يتيح مرونة سياسية كبرى لإمكانية التغيير دون اللجوء لأساليب غير ديمقراطية.
تلك النقطة هي مواعيد الانتخابات
يتم انتخاب الرئيس الأمريكي كل 4 سنوات، بينما يتم انتخاب الكونجرس (مجلس النواب بالكامل و ثلث مجلس الشيوخ) كل سنتين.
هذا يعني إن الناخب الأمريكي يستطيع تغيير الكونجرس في منتصف الفترة الرئاسية بناءا على أداء الرئيس. إذا كان الرئيس ممتازا يستطيع الشعب انتخاب حزبه في أحد المجلسين أو كليهما ليتمكن من تنفيذ برنامجه بأريحية دون الدخول في مصادمات مع الكونجرس حول الموازنة و القوانين، أما إن كان الرئيس سيئا أو أفضل السيئين (عاصرين عليه ليمون يعني) فيمكن أن ينتخبه الشعب و في المقابل يمنح صوته في الكونجرس للحزب المنافس لتحجيم الرئيس.
هذه نقطة من فنون نظام الحكم لطالما أثارت إعجابي بالدستور الأمريكي.
من النقاط الأخرى، وجود مجلسين تشريعيين، أحدهم ممثل للشعب بنسبة السكان و الآخر تتساوى فيه الولايات حيث لا فرق بين ولاية مركزية و أخرى مهمشة.
نقطة بالغة الأهمية هي الفصل بين السلطات و الذي لا يتم فقط على مستوى أفقي -أي فصل بين السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية- بل يتم الفصل رأسيا حيث تتبنى الولايات المتحدة النظام الفيدرالي في الحكم. هذا يعني إن إجراء كإغلاق الحكومة الذي حدث آخر مرة في أواخر العام الماضي يبقى تأثيره محدود نسبيا. هذا الإجراء لو تم في بلد كمصر لك أن تتخيل ما سيحدث في ظل حالة المركزية الشديدة عندنا و تبعية النقل و الصحة و التعليم و غيرها للحكومة المركزية في القاهرة!


لماذا أحبذ النظام الرئاسي تحديدا؟
لأنه يتضمن فصل تام بين السلطات، و في رأيي فإن هذا هو أهم ما تحتاجه مصر في الفترة المقبلة، فبعد عقود طويلة من الفساد تحتاج مصر لعدم هيمنة حزب واحد -أيا كان- على السلطتين التشريعية و التنفيذية، و حتى إن حدث يجب أن يضمن النظام السياسي أن يكون أعضاء السلطة التشريعية مستقلون غير خاضعين لتهديدات أحزابهم بضرورة التوحد و إلا سقطت الحكومة و البرلمان نفسه بالتبعية.

إن مشكلة النظم الرئاسية هي سعي الرئيس لتعديل الدستور ليتمكن من الترشح لفترات رئاسية غير محدودة و هذا تم بالفعل تقييده في الدستور المصري (رغم وجود مخاوف لدي من أن الرئيس القادم سيحاول تعديل تلك المادة) و في ظل نظام شبه رئاسي يظل ذلك الخطر موجودا مثلما فعل بوتين في روسيا.

رغم كل هذا فإنني كان من الممكن أن أقبل بنظام برلماني على غرار النظام الألماني مثلا، الذي تلافى واضعوه العيوب التي نشأت في ظل تطبيق نظام شبه رئاسي إبان جمهورية فايمار، أو حتى نظام شبه رئاسي مع بعض التعديلات التي تضمن تقليص المركزية لا تقسيم سلطات الحكومة المركزية بين شخصين كليهما متواجد في العاصمة.




عن الحقوق و الحريات و الهوية و غيرها

أدري إن الكثيرين وضعوا معايير أخرى لتقييمهم للدستور مثل الحقوق و الحريات أو هوية الدولة أو الديباجة!!!
لكن كل هذا في رأيي ينبغي أن يكون في مرحلة تالية لباب نظام الحكم.
إن أي طاغية لا يقلقه في البداية الحريات أو الهوية بقدر ما يقلقه تثبيت دعائم حكمه، ثم بعد ذلك يبدأ هجمته على الحقوق و الحريات. لقد قام السادات بتضمين تعديلاته في عام 1980 نصا يضع الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع لكي يستطيع تمرير تعديل آخر يسمح له بالبقاء في الحكم لأكثر من مدتين. حتى هذا اليوم لازال بعض الإسلاميين يذكرون ذلك بفخر(!) على إنه دليل على عشق الشعب للشريعة الإسلامية، في حين إن السادات و خليفته مبارك استطاعا الالتفاف على هذه النقطة و تفريغ تلك المادة من مضمونها و الخروج بالمكسب الأهم و هو إمكانية البقاء في الرئاسة مدى الحياة.

لماذا أقول هذا؟
إن عدد الحقوق لا يكفي للتدليل على روعة أي دستور
إن اشتراط إنفاق الحكومة لنسبة معينة من الناتج القومي على التعليم أو الصحة يجب أن يتبعه سؤال آخر؛ و ماذا لو لم تفعل؟
إن مجلس النواب الذي سيُقر الموازنة العامة للدولة هو من يختار الحكومة و لن يُسقِطها لأنها فشلت في الالتزام بتلك الأرقام، لأن معنى ذلك إسقاطه و إقامة انتخابات جديدة.
و حتى تلك الأرقام مبهمة، فالناتج القومي الاسمي لمصر في حدود 220 مليار دولار، بينما الناتج القومي الحقيقي -بحساب معدلات التضخم و أسعار الصرف و غيرها- أكثر من ضعف ذلك الرقم، فأي الرقمين هو المقصود؟

إن محاولة وضع مواد لن يتم تطبيقها في الدستور، فقط من باب التفاخر السياسي، سيعني إن هذا الدستور لن يحترمه أحد، و في هذا مخاطرة على أي عملية ديمقراطية. إن تعزيز الديمقراطية يتطلب أن تحترم الحكومة و الشعب مواد الدستور، لا أن يتحول إلى ورق يزين المكتبات.
لقد ألغت كل دساتير ما بعد ثورة يوليو الرتب المدنية، فهل معنى ذلك أنها اختفت من حياتنا؟
تذكر جيداً إن الانفتاح الاقتصادي و الخصخصة حدثا في ظل دستور يتبنى نظاما اشتراكيا (دستور 1971 قبل تعديلات 2007)

إن عدد الحقوق الواردة في دستور كوريا الشمالية هو نفس عدد الحقوق الواردة في دستور الولايات المتحدة (35) <هنا المصدر>، لكن الفارق إن شعب الولايات المتحدة حصل على حقوقه بكفاحه عبر السنين، و لذا لن يفرط في أي حق منها، أما في الدول المماثلة لنا فالحقوق تُعطى بصيغة "دي هدية مننا لكم" أو "مواد جديدة لم ترِد في أي دستور من قبل".


إن الدستور المصري الذي اقتبس من الدستور الفرنسي، لم يتضمن "المدافع عن الحقوق" و هو منصب ابتكره الفرنسيون (مادة 71-1) لمراقبة التزام كافة جهات الدولة بالحقوق و الحريات و عدم انتقاص أي حق لأي مواطن، بل و لا يسمح الدستور المصري حتى لأي شخص برفع دعوى عدم دستورية أي قانون مباشرة أمام المحكمة الدستورية العلياكالدستور الألماني مثلا.

ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة كذلك.

من السهل تعديل أي مادة في الدستور إلا تلك المتعلقة بنظام الحكم دون مخاطرة أن يحاول من في السلطة منح نفسه المزيد من السلطات.

إذا كنت من مشجعي الحكم بالتوافق، فلا تختر نظاما يعطي حزباً واحداً مفاتيح البلد، ثم تتساءل باندهاش لماذا لا يضمون إليهم الفصائل الأخرى!!
إذا أردت توافقا فادع لنظام حكم يشجع التوافق (برلماني و انتخابات بالقائمة، مثل ألمانيا و الدول الإسكندنافية)
حكم حزب واحد اليابان منذ الحرب العالمية الثانية و لمدة خمسة عقود تقريبا، لكنهم على الأرجح عرفوا و يعرفون ما يريدونه، بمميزاته و عيوبه.
لا يطالبون بنظام توافقي ثم يصرون على انتخابات بالنظام الفردي!!!!!!!

بالنسبة لي لا أؤمن بأن الحكم التوافقي يناسبنا، لأن تعزيز الديمقراطية يحتاج إلى قبول الشعب بها و هذا القبول يحتاج إلى شرعية للنظام و شرعية النظام لن تتحقق إلا بإنجاز اقتصادي و الإنجاز الاقتصادي يتطلب قرارات صعبة لن تتم بالتوافق، على الأقل هنا في مصر.
إن نظام الانتخابات الفردية يؤدي إلى بروز حزبين كبيرين عادة. حدث هذا في بريطانيا و الولايات المتحدة و فرنسا و غيرها من الدول، فلا داع للقول المعتاد بأن مصر تختلف، لأن كل هذه الدول تختلف عن بعضها كذلك.
لكنني لن أخدعك و أقول لك إن النظام الذي أقترحه به كل المميزات التي تريدها و لا يوجد له أي سلبيات.
و لن أخدعك و أقول لك إن نظام الحكم في هذا الدستور يختلف -كثيرا- عن دستور الإخوان، مثل السيد المتحدث الرسمي باسم لجنة الخمسين.
إن كل ما ذكره على إنه في دستور 2014 و لم يسبق وجوده في أي دستور كان موجودا في دستور الإخوان، و لم يمنعهم من اختيار رئيس وزراء سافر مع محمد مرسي في الطائرة.
من الآن فصاعداً أيها الكاتب المحترم؟ ألا تدرك إن تقييد مدد رئيس الجمهورية تم إقراره في تعديلات مارس 2011؟


كنت أتمنى أن يتضمن الدستور مادتين تحديدا -بخلاف باب نظام الحكم- الأولى تتعلق بحق الناخبين في الدعوة لاستفتاء على تعديل أو إضافة أو حذف مادة أو أكثر من الدستور بناءا على توقيعات المواطنين -مليون توقيع مثلا- على غرار مادة مماثلة في الدستور السويسري (مادة 138)
و الثانية بأن يكون أي استفتاء على تعديل الدستور مشتملا على استفتاء على كل مادة يتم تعديلها على حدة، لأن التاريخ يعلمنا إنه عادة ما يتم تقديم السم في العسل، و لِمَ التاريخ؟ أليس هذا الدستور نفسه عبارة عن تصويت على "شيء أحسن من لا شيء"؟

23 ديسمبر 2012

دستور مصر (4) - المادة 148 حالة الطوارئ

بعد ثلاثين عاما من حالة طوارئ مستمرة، حاول المشرع المصري تقييد صلاحية الرئيس في إعلان حالة الطوارئ من خلال المادة 148 و التي جاء نصها
يعلن رئيس الجمهورية، بعد أخذ رأى الحكومة، حالة الطوارئ؛ على النحو الذى ينظمه القانون؛ ويجب عرض هذا الإعلان على مجلس النواب خلال الأيام السبعة التالية.
واذا حدث الإعلان فى غير دور الانعقاد وجبت دعوة المجلس للانعقاد فورا ر للعرض عليه، وفى حالة حل المجلس يعرض الأمر على مجلس الشورى؛ وذلك كله بمراعاة المدة المنصوص عليها فى الفقرة السابقة. وتجب موافقة أغلبية عدد أعضاء كل من المجلسين على إعلان حالة الطوارئ، ويكون إعلانها لمدة محددة لا تجاوز ستة أشهر، لا تمد إلا لمدة أخرى مماثلة بعد موافقة الشعب فى استفتاء عام.
ولا يجوز حل مجلس النواب أثناء سريان حالة الطوارئ.
تم النص على مد حالة الطوارئ باستفتاء الشعب لأول مرة في استفتاء مارس بعد أن كان الأمر يتم عبر موافقة مجلس الشعب في دستور 71. الجديد هنا هو تحديد المدة التي تمتد فيها حالة الطوارئ بعد استفتاء الشعب بستة أشهر فقط.

تمت الموافقة على هذه المادة بالإجماع، و هذه الموافقة في الحقيقة تبين طريقة نظر أعضاء الجمعية التأسيسية للاستفتاءات الشعبية على أنها لا تعدو كونها مجرد إجراء روتيني!

أي حالة طوارئ تلك التي تمتد لمدة أكثر من ستة أشهر؟؟
إن حالة الطوارئ كما أفهمها لا تحدث إلا في حالات معدودة مثل الحرب المباشرة و الكوارث الطبيعية و محاولات الانقلاب العسكري.
 كيف يمكننا القيام باستفتاء في حالة مثل هذه؟
إن إقامة الاستفتاء في حد ذاته شهادة و دليل على عدم الحاجة لفرض حالة الطوارئ!
إلا إن كان لواضعي تلك الفقرة تفكير في حالات أخرى "غير طارئة" تتطلب فرض حالة الطوارئ!
أو ربما يفكرون في منع ناخبي المكان المفترض حدوث أمر طارئ فيه من المشاركة في تقرير ما إذا كان الأمر يستدعي فرض الطوارئ أم لا!
ثم ألم يتباكَ جُل هؤلاء منذ بضعة أشهر على قرار حل مجلس الشعب الذي سيتسبب في إهدار مليارات لإقامة انتخابات جديدة؟
ألا تتطلب حالة الطوارئ "المزعومة" تلك توفير تلك النفقات التي ستذهب في عملية الاستفتاء؟؟

إن الدستور كان ينبغي أن ينص على عدم جواز مد حالة الطوارئ بعد الستة أشهر الأولى لا باستفتاء و لا غيره إلا في حالة واحدة هي حالة الحرب المباشرة و في تلك الحالة تنتهي حالة الطوارئ بمجرد إعلان انتهاء العمليات العسكرية أو بعدها بمدة بسيطة ــ 15 يوما مثلا.
أما في الحالات الأخرى كالكوارث الطبيعية فلا أظن أن الكارثة ستستمر بذاتها لمدة ستة أشهر. قد تستمر آثارها لفترة طويلة بعد ذلك، لكن لست أرى كيف يتطلب علاجها فرض حالة طوارئ في الجمهورية بأكملها أو حتى في المنطقة المنكوبة بعد الستة أشهر!

21 ديسمبر 2012

دستور مصر (3) - العزل السياسي

تنص المادة 232 من الدستور على
تمنع قيادات الحزب الوطنى المنحل من ممارسة العمل السياسى والترشح للانتخابات الرئاسية والتشريعية لمدة عشر سنوات من تاريخ العمل بالدستور. ويقصد بالقيادات كل من كان، فى الخامس والعشرين من يناير 2100 ، عضوا بالأمانة العامة للحزب الوطنى المنحل أو بلجنة السياسات أو بمكتبه السياسى، أو كان عضوا بمجلس الشعب أو الشورى فى الفصلين التشريعيين السابقين على قيام الثورة.

لا أبالي في الحقيقة بمن يُطلق عليهم "فلول" الحزب الوطني (المنحل/البائد). ما يهمني هنا هو إصرار حزب الحرية و العدالة و باقي القوى السياسية خصوصا الإسلامية منها على وضع مادة العزل السياسي و هم الذين يتغنون بالاحتكام لإرادة الشعب طوال ما يقرب من عامين!
لماذا الآن لا تتركون الشعب يُسقطهم في الانتخابات؟
هل تخشون من تأثيرهم بطريقة أو بأخرى على الناخبين؟
إذا كانت هناك طرق مؤثرة بالفعل على الناخبين -كالمال السياسي مثلا- فماذا فعلتم لمواجهته؟
وارد جدا أن يستخدم حزب آخر نفس الوسائل للتأثير على الناخبين.
أم أن الغاية النبيلة تبرر استخدام وسيلة خاطئة؟
إلا طبعا لو أقنعني أحد من تحدثوا بأنهم لا يثقون في وعي الشعب المصري "العظيم" و قدرته على إسقاط قيادات الوطني في الانتخابات.

إنني لا أظن أن قيادات الحزب الوطني ترغب في الترشح للمناصب السياسية. قد يديرون المشهد من وراء الستار، لكنهم لن يظهروا علنا بالتأكيد، ليس في الوقت الحالي على الأقل، و الانتخابات البرلمانية الماضية خير شاهد.

ما أردت توضيحه إن "وعي الشعب المصري العظيم" هي مطية يستخدمها كل من يفوز في الانتخابات، لكن لا أحد يثق فيها فعلا!

20 ديسمبر 2012

دستور مصر (2) - المؤسسة العسكرية

بعد ستين عاما من حكم عسكري (الرئيس عسكري سابق و ليس حالي مثل النظم العسكرية المباشرة)، كان وضع المؤسسة العسكرية من أهم المسائل المنتظرة في مسودة الدستور الجديد.
المادة 197 التي تتحدث عن تشكيل مجلس للدفاع الوطني بأغلبية عسكرية يختص بالنظر في تأمين البلاد و مناقشة الموازنة و يجب أخذ رأيه في القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة.
المادة 198 التي تتحدث عن القضاء العسكري و تمنحه الحق في محاكمة المدنيين أمام قضاء عسكري في الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة.
هاتان المادتان مثار جدل كبير حاليا، لكني سأبدأ الحديث بمادة أخرى أراها أكثر خطورة و هي المادة 195
وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، و يعين من بين ضباطها
في الحقيقة أنا لا مشكلة لدي في تعيين وزير للدفاع من العسكريين، و لست أحلم بيوم يأتي فيه وزير دفاع مدني أو امرأة مثل بعض الدول الأوروبية التي حدث فيها ذلك!
ليس ذلك بسبب ثقتي في أن الجيش سيرفض أو أن المدنيين لن يستطيعوا فرض ذلك، لكن السبب الحقيقي هو أنك لن تجد طبيبا يوافق على تولي غير طبيب لوزارة الصحة و لن تجد قاضيا أو محاميا حتى يوافق على تولي معلم مثلا لوزارة العدل، فلماذا ننتظر من العسكريين القبول بوزير غير عسكري؟!
إن إحدى آفات السياسة المصرية هي عدم معرفة الدور الحقيقي لمنصب الوزير فيتصور البعض على أنه مجرد شخص كفء يتم ترقيته لهذا المنصب، و هذا ما يجعل الكثيرين يتعاملون مع منصب الوزير على إنه تشريف لا تكليف!
على كل، اعتراضي هو على الجمع بين منصبي القائد العام و وزير الدفاع، فالمنصب الأول سياسي و الثاني عسكري، و الجمع بينهما هو ما يؤدي لتسييس الجيش، فنحن بهذا الوضع نجعل رأس المؤسسة العسكرية منخرطا في أعمال سياسية، و لا عجب بعد ذلك أن تطلب منه الحكومة توفير الخبز من مخابز القوات المسلحة للجمهور أو توفير الوقود حتى، و نحن نعلم من تجارب سابقة إن الوضع لن يتوقف على ذلك فقط! و يمكن لمن يريد الاستزادة قراءة الفصل الأخير من مذكرات سعد الدين الشاذلي عن حرب أكتوبر.

إن تعيين وزير دفاع مدني -حتى لو كان عسكريا سابقا- سيقضي مباشرة على مشكلة المادة 197 الخاصة بتشكيل مجلس الدفاع الوطني، الذي ستنقلب أغلبيته لحساب المدنيين، و لا مشكلة في كونه عسكري سابق، فهو، على الأرجح -في دولة ديمقراطية- قد انخرط في أحد الأحزاب القائمة و مارس بعض الأعمال المدنية التي تجعله يُحسب على المدنيين بطريقة أو بأخرى، كما أنه سيميل لرأي حزبه السياسي، الذي يملك عزله، عن رأي زملائه السابقين في القوات المسلحة عند الضرورة.

أما المادة 198 الخاصة بالقضاء العسكري، فأسجل اعتراضي على تحويل المدنيين لمحاكمات عسكرية على الإطلاق، و كان يجب على الأقل منح أولئك المدنيين حق النقض أو الاستئناف أمام محكمة عليا مدنية (محكمة النقض؟)، لكن النظام القضائي المصري لم يأخذ بنظام المحكمة العليا الموحدة (كالنظام الأمريكي مثلا) و جعل القضاء العسكري مستقلا! (التبرير إنه لو تم إلحاق القضاء العسكري بالقضاء الطبيعي فسيمكن إحالة مدنيين للقضاء العسكري، على إنه قضاء طبيعي، لا استثنائي!)
على كل كنت أتوقع و أتمنى النص على حظر إحالة المدنيين للقضاء العسكري على الإطلاق و محاكمتهم أمام قضاء عادي حتى في الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة، فلا يتُصور مثلا إن بعد جريمة سرقة وثائق عسكرية مهمة من قِبَل مدني، ستظل القوات المسلحة تستخدم تلك الوثائق! لا ريب إنها لو كانت خطة أو شفرة ما سيتم تغييرها من باب الاحتياط و لست أدري ما الفارق أو الخطورة لو اطلع قاضٍ مدني عليها! لا أتمنى أن تكون قواتنا المسلحة تفكر في استخدام خطط هناك احتمال و لو ضئيل أنها تسربت للعدو!

02 ديسمبر 2012

دستور مصر (1) - المادة 13

وصلنا للمسودة النهائية للدستور أخيرا، و على عكس الكثيرين ممن بدأوا حديثهم بباب الحريات، أو المادة الثانية و المادة المفسرة لها أو باب الحقوق و الحريات، أو نظام الحكم، أو حتى وضع المؤسسة العسكرية، اخترت أن أبدأ بالمادة 13
إنشاء الرتب المدنية محظور
هذه المادة مأخوذة من دستور 1971 و نشأت بعد ثورة يوليو 1952 للقضاء على الرتب المدنية (البكوية و الباشوية) التي كانت ترسخ التقسيم الطبقي بين أفراد المجتمع.
لا اعتراض لدي على المادة طبعا، لكن المشكلة أنه رغم أن تلك المادة قضت على الرتب رسمياً إلا إنها لم تلغِ استخدامها على أرض الواقع!
ضابط الشرطة يُقال له "باشا" و أحياناً أيضا ضابط الجيش، القاضي و وكيل النيابة يقال له "بك".
رجال الأعمال أيضا يُلقبون بتلك الألقاب من العاملين في شركاتهم و أصحاب النفوذ كذلك.
بل إن رئيس الجلسة نفسه خاطب أحد الأعضاء غير مرة بلقب بك "ناجي بك"!!!

لم تقتصر الألقاب على البكوية و الباشوية، فالطبيب لابد أن تُخاطبه دائما بلقب "دكتور" و إلا أخذ يصحح لك الاسم أو نظر إليك تلك النظرة التي تشعر كما لو أنه يود لو صفعك! أيضا أي حائز على درجة الدكتوراة لابد أن يضعها قبل اسمه في أي مناسبة.
هل كان أحدكم من قراء نبيل فاروق أو أحمد خالد توفيق؟ الاثنان طبيبان و الثاني يحمل شهادة دكتوراة في الطب كذلك و يُكتب اسميهما على غلاف الروايات دائما مسبوقا بحرف "د"!
المهندسون و الصيادلة كذلك يضعون ألقابهم قبل أسمائهم و يصرون عليها.
قارن ذلك بما يحدث في الغرب و تحديداً في الولايات المتحدة حيث لا يتم ذكر شهادات أو رتب أي شخص ما لم يكن الحديث متعلقا بهذا الخصوص، و يكتفون غالباً بلقب السيد (Mr.) أو السيدة/الآنسة (Mrs./Ms.)
حاول أن تقول لطبيب أو قاضٍ أو مهندس أو تكتب عنه هكذا في مصر وانظر ماذا سيكون رد فعله.

ما أريد قوله أن المسألة ليست في الدستور فحسب -رغم أهميته الكبيرة- لكنها في ثقافة شعب كذلك.
مثلا الدستور الأمريكي لا يذكر أبدا حق تكوين الأحزاب، لكنها موجودة و فاعلة على أرض الواقع، بل إن فرصة المستقلين هناك شبه معدومة في أي انتخابات خصوصا الرئاسية!
الدستور مهم، لكن الأهم هو توعية الشعب و تثقيفه بحقوقه.

09 نوفمبر 2012

عبد المنعم أبو الفتوح: شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر 1970-1984

My rating: 3 of 5 stars

كتاب مهم جدا عن شهادة عبد المنعم أبو الفتوح على الحركة الإسلامية في أوجها في السبعينيات. الكتاب مهم و له عدة نقاط إيجابية
1- عنوان الكتاب يتحدث عن محتواه بالتحديد فهو لا يزعم أنه يسرد تاريخ الإخوان كله و لا تاريخ عبد المنعم أبو الفتوح بل مجرد تاريخ فترة زمنية محددة التزم بها الكاتب بنسبة عالية جدا.
2- ابتعد أبو الفتوح عن التحدث عن نشأته و أسرته و العقبات التي واجهته و كيف قهر كل الصعاب و تلك التفاصيل التي تصيبني شخصيا بالملل في مثل تلك النوعية من الكتب بل ابتعد عن التحدث بضمير المتكلم قد الإمكان.
3- الكتاب أسلوبه سلس و بسيط
4- الكتاب مفيد لمن يريد أن يعرف جزء من تاريخ الإخوان ليس من أحد أعضاء الجماعة الكبار فقط بل كذلك رؤية خارجية لشخص اختلفت طريقة تفكيره بدرجة كبيرة قبل و بعد انتمائه للجماعة
لكن الكتاب لا ينال العلامة الكاملة للسبب التالي
أكثر من الحديث عن الإيجابيات و أهمل السلبيات و الانتقادات تماما فحادث الفنية العسكرية اكتفى بالقول أنه فوجئ به و بانتماء اثنين من أعضاء الجماعة الإسلامية لمن قاموا بالعملية، رغم أنه تحدث أكثر عن حادث بعيد كل البعد عنهم و هو حادثة الزاوية الحمراء!
و بدا و كأنه لا يقوى على طرح أي مشكلة إخوانية لست أدري هل السبب وراء ذلك أنه كان لا يزال عضوا في مكتب الإرشاد وقت صدور الطبعة الأولى و بالتالي لم يكن من اللائق مهاجمتهم أم أنه عرفان بالجميل و ذلك الطابع الأصيل الذي يتميز به الرجل و الذي يمنعه من توجيه سهام انتقاداته لهم

على أي حال هذه هي قراءتي في الكتاب
1- الكتاب يبين أسباب قوة التيارات الإسلامية و هي مما توافق مع فكرة مسبقة لي و يمكن إجمالها في الآتي
إنكار الذات، تراث هائل من كتب السيرة و الفقه يمكن الاقتداء به و استخدامه في الرد على المهاجمين، منهج تلقي العلم على يد الشيوخ و إصرار هؤلاء على خطورة تلقي العلم مجردا من الكتب
إن إنكار الذات حالة لا توجد لها مثيل في كل التيارات السياسية الأخرى و تمثل نقطة قوة رهيبة لدى التيارات الإسلامية و التنظيمية -كالإخوان- خصوصا، فالمنتمي للتيار الإسلامي لا يعنيه في الغالب من يحقق الهدف بل المهم هو تحقيق الهدف، هذا لا يعني عدم وجود نزعات تسلطية لدى البعض لكن الغالب الأعم من الشباب خصوصا لا يملك تلك النزعة.
وجود تراث أدبي هائل في مسائل الشريعة و وجود عدد من كبار المشايخ الذين يمثلون المنظرين لهذا التيار يقابله غياب شبه تام عن أي أدبيات للتيارات السياسية الأخرى فمعظمها يريد تقليد الغرب و كفى لكن الإسلاميين ليسوا كذلك. إن انتشارهم يتم عبر خطب و رسائل و مطويات و كتب يتم تداولها بينهم. دلني الآن على تيار آخر لديه مثل ذلك التراث الأدبي!
كذلك هناك نقطة مهمة و هي في كيفية تلقي العلم وسط التيار الإسلامي فهم يتلقون العلم عن طريق المشايخ لا الكتب و يحذرهم المشايخ من ذلك! إن هذا يُنشئ رابطة لا يمكن قهرها بين طالب العلم و شيخه و هو ما لا يتوافر للتيارات السياسية الأخرى. إن أي تيار سياسي غير إسلامي لا يرفع من مكانة قياداته لتلك الدرجة التي تعطيهم قوة كالتي يتمتع بها مشايخ التيار الإسلامي عبر العصور. ربما جمال عبد الناصر وصل لتلك المكانة يوما، لكن تلك حالة خاصة.
2- الكتاب يشير - و إن لم يُشر أبو الفتوح لذلك صراحة- إلى سطوة هائلة يتمتع بها من يشغل منصب المرشد العام للإخوان المسلمين! إن شاغل هذا المنصب يستطيع تغيير فكر الجماعة لتوافق فكرة إن أراد. يظهر ذلك في نحاح حسن الهضيبي و عمر التلمساني في تغيير نهج الجماعة من العنف إلى الدعوة و من بعد ذلك الانخراط في العمل السياسي الرسمي و القبول بقواعد اللعبة الديمقراطية و إن لم يعلنوا صراحة موافقتهم على الديمقراطية إلا بعد ذلك بسنوات. يقول أبو الفتوح إن التيار القطبي قد توارى في تلك الفترة في الإخوان و لم يقطع إن كانوا اقتنعوا بأفكار الإصلاحيين أم إنهم أغلقوا صدورهم على أفكارهم تلك، لكنني الآن أعتقد أنه الاحتمال الأخير ذلك أنه مع صعود مرشد عام ينتمي لذلك الجناح في الإخوان، خرج الكثيرون من الإصلاحيين مثلما حدث العكس حين كانت قيادة الإخوان إصلاحية فلم يناسب ذلك قيادات التيار الجهادي في الجماعة الإسلامية في السبيعينيات و كان على أبو الفتوح أن يُدرك أن يوما مثل هذا ربما يأتي لأن كل شيء بيد المرشد!
3- يقول أبو الفتوح إنه لو كان التقى بالإصلاحيين أولا فربما لم يكن لينضم للجماعة أبدا فقد كانت تسيطر عليه في تلك الفترة أفكار رجعية -بحسب زعمه- و لست أدري إن كان أبو الفتوح قد صارح قيادات الإخوان بذلك في مرحلة مبكرة من انتمائه لهم إذ أنهم يلعبون تلك اللعبة منذ زمن. لعبة شرطي سيء.. شرطي طيب. فنجدهم يصدرون وجوها مقبولة إعلاميا و إن اختلف حديثهم مع التوجه الحقيقي للجماعة. هل يذكر أحد أن مسؤول الموقع الإنجليزي للإخوان فتاة؟؟


04 يوليو 2012

عن التوافقية

بعد إعلان فوز محمد مرسي -مرشح جماعة الإخوان المسلمين- سجل الكثيرون بعض تعهداته للقوى "المدنية" في حالة تأييدهم له في جولة الإعادة ضد أحمد شفيق ( هنا أو هنا أو هنا )
تتلخص هذه التعهدات في الآتي:
  • نواب رئيس من خارج الإخوان، قبطي و امرأة.
  • رئيس وزراء غير إخواني.
  • حكومة تكنوقراط أو غالبية عناصرها غير إخوانية.
  • جمعية تأسيسية متوازنة، ضمان للحريات، عدم تعديل المادة الثانية من الدستور.
و تستمر المشاورات حاليا لتشكيل الحكومة و اختيار نواب الرئيس وسط أنباء متضاربة عن هويتهم أو نسبة الإخوان فيهم، و الحقيقة أنني أرفض ما اتفقت عليه تلك القوى "المدنية" مع مرسي!!
إن الاتفاق كان ظاهره التوحد و الاصطفاف لمواجهة العسكر و منع هيمنة جماعة الإخوان على الحكم، لكن اتفاق كهذا لن يحقق الغرض المطلوب منه في رأيي
  1. إن المجلس العسكري لن يستطيع الانقلاب على الديمقراطية الوليدة في مصر إلا في حالة فشل هذه الديمقراطية في تحقيق أحلام و تطلعات ملايين المصريين، و حكومة ائتلافية / تكنوقراطية مرشحة للفشل بجدارة في مثل هذه الظروف!
  2. إن تعيين نائب رئيس قبطي أو امرأة يعيدنا لنظام الكوتة الذي أثبت فشله الذريع سابقا، و لا يضمن وصول الكفاءات للمناصب العليا، ثم إن منصب نائب الرئيس هذا يحتاج لمراجعة في النظام السياسي المصري، فليس له أي صلاحيات محددة و حتى بفرض إعطاء بعض هذه الصلاحيات لهؤلاء النواب، فما فائدة وجود الوزراء و المحافظين و المستشارين؟؟ إن منصب نائب الرئيس هو بديل في بعض الدول -كالولايات المتحدة- لمنصب رئيس الوزراء، أما في حالة وجود هذا الأخير فلا فائدة من وجود نائب للرئيس!
  3. إن وجود حكومة أغلبيتها غير إخوانية مع رئيس إخواني يجعل تحديد المسؤول عن الفشل أو النجاح من المستحيلات! و في الحالتين هذا لن يفيد القوى "المدنية" بشيء! في حالة نجاح تلك التوليفة فهي لن تضيف شيئا لهم إذ سيُنسب الفضل غالبا للرئيس كالمعتاد في مصر طيلة 7000 سنة، ثم إن الحكومة المصرية لا يصل صداها غالبا خارج القاهرة الكبرى، ما يعني أن تلك التيارات المدنية لن يصل صوتها للدلتا أو الصعيد و لن تكسب أي أرض جديدة في تلك الفترة، أما لو فشلت التجربة، فغالبا سيتم التضحية بالحكومة ككبش فداء لإنقاذ رقبة الرئيس و بالتالي سيتحمل هؤلاء مسؤولية الفشل و سيخرج الإخوان منتصرين.
  4. إن إصرار التيارات "المدنية" على المشاركة بهذه الطريقة يعني أنهم لم يدركوا بعد هزيمتهم في الانتخابات التشريعية و الرئاسية و بالتالي حجم تواجدهم الحقيقي في الشارع المصري! و الاعتراف بالمشكلة لا يعني الاستسلام لها!! إن الاعتراف بالمشكلة هو أول خطوة علمية لحلها! و طالما ظلت تلك القوى متصورة وجود حجم لها في الشارع أكبر من الحقيقة لن تحقق شيئا.
  5. إن هيمنة الإخوان المسلمين ليست في تشكيل حكومة إخوانية خالصة و لا حتى في حال اكتساحهم للمحليات. إن كل هذا يمكن إزاحتهم منه لو ظلوا بعيدا عن الجيش و الشرطة و القضاء و الإعلام و منظمات المجتمع المدني كالنقابات! و ليس هذا بمنعهم من تولي تلك الوزارات، فالهيمنة ليست في ذلك، إن جماعة الإخوان تسعى لاختراق تلك المؤسسات من الأسفل للأعلى و لن يضيرها أن تتنظر بضع عشرات من السنين لتحقيق هذا الهدف فهو و إن كان أبطأ من اختراق من أعلى لأسفل إلا أنه أكثر فاعلية على المدى البعيد!
  6. إنه حتى في حالة الإقرار بهذا الاتفاق، فهناك وزارات مثل الدفاع و الداخلية من المتوقع أن يتدخل المجلس العسكري في تحديدهم و وزارات أخرى مثل العدل و الخارجية قد يعينهم المجلس العسكري أيضا و حتى لو لم يتم فغالبا سيتم اختيارهم من داخل الوزارة نفسها -شخصيات غير حزبية - و هناك وزارات أخرى كالتنمية الإدارية و التنمية المحلية لا تمثل أي أهمية للإخوان، أي أن الإخوان قد -و غالبا سيحدث- أن يحسبوا هذه الوزارات من حصة الوزارات غير الإخوانية مثلما حدث في الجمعية التأسيسية الثانية.
  7. كان من الأفضل في رأيي الضغط من أجل تمثيل أكثر توازنا في الجمعية التأسيسية و اتفاق مع الإخوان على إخلاء بعض دوائر المحليات و المحافظات (حال إقرار انتخاب المحافظين) فهذا كان كفيلا بوضع موطئ قدم لتلك التيارات في أماكن لا يصلون إليها و لم يحاولوا ذلك طيلة أكثر من عام و نصف، أما المحاصصة في حكومة مركزية في القاهرة فهو لا يضيف لهم شيئا في رأيي.

15 يونيو 2012

قبل أقل من 24 ساعة على جولة الإعادة. من تختار، مرسي أم شفيق؟

كنت أنوي كتابة هذا أمس، لكن بعد قرار حل البرلمان أجلته لليوم و إن كان لم يتغير رأيي تقريبا.
على مقال من جزأين كتب أحمد خالد توفيق في جريدة التحرير عن أسباب مقاطعته لجولة الإعادة -كان هذا قبل حكم حل البرلمان و لست أدري إن كان لازال على رأيه- و أبدى تخوفاته من كلا المرشحين (الجزء الأول - الجزء الثاني)
بعد حكم المحكمة الدستورية يوم أمس بحل البرلمان أتوقع أن كل معسكر من المعسكرات الثلاثة -مرسي، شفيق، المقاطعون/المبطلون- سيخسر بعض الأصوات و سيكسب بعض الأصوات الأخرى.

رأيي و بكل وضوح هو تأييد محمد مرسي في انتخابات الإعادة.

إنني أشارك أحمد خالد توفيق تخوفاته و أكثر منها من جماعة الإخوان المسلمين مما لا يتسع المقام و لا يتناسب الوقت الحالي مع ذكرها و لن يُدرك هذه المخاوف إلا من عاش خارج القاهرة الكبرى و الإسكندرية.
لكني سأنتخب محمد مرسي للأسباب الآتية:
أولا: ما قبل حُكم المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب
  1. حتى لو استطاعت الجماعة "التكويش" على كل مقاليد السلطة في مصر فإنها لن تنمو بنفس قدر الحزب الوطني، و أدري هنا أن الكثيرين من الفاسدين سيسارعون بركوب سفينة الإخوان الفائزة تطبيقا لنظرية "مات الملك عاش الملك" لكن جماعة الإخوان تملك نظاما صارما لعضويتها يجعل من شبه المستحيل على هؤلاء الانخراط تنظيميا في الجماعة و في حالة انضمامهم للحزب فإن ذلك سيُفقِد الجماعة السيطرة و الهيمنة عليه.
  2. إن أسوأ ما يمكن أن يحدث في حالة تولي الإخوان الحكم هو أن يتحولوا إلى نسخة استبدادية من الحزب الوطني و في هذه الحالة سيكونون قد قضوا على مشروعهم إلى الأبد. نعم سيحكمون لفترة قد تصل لعقدين أو ثلاثة، لكن الجماعة ستفشل في استقطاب أعضاء جدد "يؤمنون" بمبادئ الجماعة و يرغبون فعلا في إصلاح المجتمع، و حتى لو نجحت الجماعة على المستوى الاقتصادي، فإن التنظيم الهرمي للجماعة يبطئ من عملية تجديد دمائها.
  3. إن الجماعة تحتاج لفترة في حدود عامين لاختراق مؤسسات الدولة العميقة (الجيش و المخابرات و الشرطة و القضاء) و يمكن استغلال هذه الفترة في تكوين حزب أو حزبين يضمان قوى ثورية وسطية لمنافسة الإخوان و بناء قواعد و تأهيل كوادر و محاولة دخول المحليات في بعض المحافظات.
  4. أخيرا، و هو السبب الأهم، إن من لا يُجازف لا يربح!! نعم هناك مجازفة في انتخاب الإخوان -و هي مجازفة كبيرة- لكنها لا تتساوى مع انتخاب العسكر. إن انتخاب الإخوان سيبعث الأمل، حتى لو كان ضئيلا، و سيؤكد على أهم مكسب للثورة و هو أننا نستطيع تغيير نظام أثبت فشله بالانتخابات، أما انتخاب شفيق فسيعني -على الأقل- أن الانتخابات ليست الوسيلة المناسبة لتحقيق أحلامنا ما سيفتح الباب لسيناريوهات أكثر تعقيدا، هذا إن لم يؤدِ فوز شفيق لإصابة ملايين من الشعب بإحباط يصعب معه حشدهم في المستقبل المنظور من أجل ثورة أخرى.
ثانيا: ما بعد حُكم المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب
جاء حُكم حل مجلس الشعب ليضيف بُعدا جديدا لتصويت الغد، فبالإضافة لقرار وزير العدل بمنح أفراد الشرطة العسكرية و المخابرات الحربية حق الضبطية القضائية قبل يومين، أتى هذا الحُكم ليؤكد أن المجلس العسكري يلقي بكل أوراقه وراء مرشحه و أنه اتخذ كل الضمانات من أجل مساعدته على الفوز. تزوير أو لا تزوير لا فارق فالمجلس العسكري قد يكون حشد بالفعل كتلة تصويتية ضخمة بعدة طرق من أجل إنجاح مرشحه مما لا يتطلب تزويرا بداخل اللجان. هذا السيناريو يدفع بقوة في اتجاه المقاطعة/إبطال الصوت، لكني أرى أيضا أن الحكمة تستدعي انتخاب مرسي للأسباب التالية:
  1. النزول للانتخاب بأعداد كبيرة حتى لو فاز مرشح العسكري هو مكسب كبير في حد ذاته. إن تغيير الاتجاه التصويتي لناخب سبق له المشاركة في الانتخابات أسهل كثيرا من إقناع مواطن لا يؤمن بقيمة الانتخابات كحل سياسي أصلا، خاصة أن لا مرسي و لا شفيق هما الخيار الأول لأغلب الناخبين.
  2. في حالة فوز مرسي فإنه على الأرجح سيدخل صراعا مع المجلس العسكري و الدولة العميقة و في هذه الحالة ستكون الانتخابات مجرد الجولة الأولى في تلك المعركة أي ستكون هناك جولة أخرى من الاختيار بين العسكر و الإخوان.
  3. قد يفوز مرسي بالفعل و يخرج أعضاء المجلس العسكري لتهنئته، أو يفوز شفيق و لا تفعل الجماعة شيئا (احتمال الصفقة) و هو رغم صعوبته في ظل الظروف الحالية إلا أنه سينسف مصداقية جماعة الإخوان إلى الأبد.
بعض النقاط السريعة:
  • أرجو ألا يتم التعويل كثيرا على نتيجة الخارج، فهي لا تُشكل أكثر من 1% من إجمالي الناخبين، ثم إن أغلبهم خرج من مصر و تغرب بسبب سياسات النظام السابق، كما أنهم لا يخضعون للضغوط المعيشية و الإعلامية التي يتعرض لها المواطنون في الداخل.
  • هناك كذلك صورة منتشرة تدعي زيادة أعداد المشاركين في جولة الإعادة (الصورة بالأعلى) و هي هراء لأن أعداد المشاركين في الجولة الأولى 314294 ناخبا لا 240000 (المصدر).
  • أتمنى ألا نرفع من سقف توقعاتنا لهذه الجولة و لا نأخذها بمبدأ "حياة أو موت" لأن رفع سقف التوقعات يؤدي عادة لإحباط أكبر في حالة الفشل!!
  • في الجولة الأولى، فاز شفيق في محافظات مهمة في الدلتا مثل الشرقية و الدقهلية و الغربية و القليوبية و المنوفية و تقدم على مرسي في القاهرة و هي محافظات ذات تعداد سكاني كبير، بينما فاز مرسي في البحيرة و سبق شفيق في الإسكندرية و الجيزة من المحافظات ذات التعداد السكاني الكبير. طبعا قد تغير أصوات الخاسرين من النتيجة، لكن من الواضح أن ما يُشاع بأن الحزب الوطني يملك شبكة علاقات أقوى في الصعيد عن الدلتا غير صحيح. في الواقع مرشح الإخوان فاز بأغلب محافظات الصعيد في الجولة الأولى.

01 يونيو 2012

هل كان غرض استطلاعات الرأي خداع الناخبين؟

قبل انتخابات الرئاسة المصرية قامت عدة مراكز بحثية بإجراء استطلاعات للرأي العام و هذه المراكز هي: مركز الأهرام، مؤسسة بصيرة، مركز المعلومات و دعم اتخاذ القرار، جريدة الشروق.
للاطلاع على النتائج اضغط هنا
طبعا غني عن الذكر أن هذه النتائج لم تتفق مع الواقع إطلاقا إذ جاء ترتيب المرشحين في الجولة الأولى: مرسي، شفيق، صباحي، أبو الفتوح و أخيرا موسى.
اليوم كتب أحمد منصور في جريدة الوطن متهما استطلاعات الرأي هذه بتضليل المواطنين و خداع الشعب و توجيهه لانتخاب مرشحين بعينهم و بالأخص مرشحي النظام السابق عمرو موسى و أحمد شفيق اضغط هنا
و رغم أني كتبت قبلا عن نظرية المؤامرة و صفقات المجلس العسكري و غيرها، إلا أنني لا أتفق أن استطلاعات الرأي تلك كان غرضها توجيه الناخب في اتجاه معين للأسباب التالية:
1- أغلب تلك الاستطلاعات كانت تؤكد أن نسبة المشاركة ستتجاوز 80% على أسوأ الظروف و هو ما لا يُعقل بأي حال من الأحوال إذ حتى في الانتخابات البرلمانية التي يكون فيها الحشد أكبر لقرب المرشحين من الناخبين لم يتوجه لصناديق الاقتراع سوى أقل من 28 مليون ناخب من إجمالي 50 مليون ناخب.
2- إن العينة التي تم استطلاع رأيها ليست ممثلة للناخبين المصريين بشكل واقعي فمثلا في استطلاعي الشروق كانت نسبة من أدلوا بصوتهم في الانتخابات البرلمانية ممن شملهم الاستطلاع تبلغ 82.1% (!!!) و هو ما لم يحدث و كان يجب أن يدق جرس إنذار لمن يقوم بعمل الاستطلاع أن شيئا ما غير صحيح لكنه لم يحدث، كما أن توزيع هؤلاء المستطلع رأيهم لم يكن يمثل النتيجة الفعلية التي انتهت إليها الانتخابات البرلمانية ففي حين حصل حزب الحرية و العدالة على حوالي 36% بلغت نسبة من صوتوا له في عينة استطلاع الشروق 45% و بينما حاز حزب النور على 27% في انتخابات البرلمان فإن مؤيديه في عينة الاستطلاع بلغوا 13% (!!!)
3- صحيح أن عمرو موسى ظل متصدرا السباق لفترة طويلة إلا أن المركز الثاني في أغلب تلك الاستطلاعات كان لعبد المنعم أبو الفتوح و المناظرة التي تمت كانت بينهما و كان هناك شبه إجماع على أنه في حالة وصول أبي الفتوح للإعادة فإنه كان سيكتسح على الأرجح، و لست أظن أن عبد المنعم أبو الفتوح محسوب على النظام السابق، و رغم أن أحمد شفيق تقدم في الأسابيع الأخيرة ليحتل المركز الثاني إلا أن تلك الاستطلاعات أشارت لتقدم محمد مرسي كذلك، صحيح أنه ظل في مركز متأخر إلا أننا لو وضعنا في الحسبان نسبة من أظهرهم الاستطلاع غير حاسمين لرأيهم و معرفتنا بأن هؤلاء غالبا سيتم التأثير عليهم في الساعات الأخيرة من قِبل ماكينة تنظيم الإخوان لعذرنا معدي الاستطلاع.
4- في كل تلك الاستطلاعات لم يحتل حمدين صباحي مركزا أفضل من الرابع و بفارق واضح عن المراكز الأولى و هو رغم انتمائه لتيار الثورة إلا أنه ليس بذلك المرشح الذي يُقلق الصحفيين و يدفعهم لتزوير نتيجة الاستطلاع على حسابه و هو على الأقل ليس إسلاميا مثل محمد مرسي لكي يكون هناك شبهة في استبعاده على هذا الأساس، ثم إن أغلب هؤلاء الصحفيين تباكوا على خسارة حمدين بعد ظهور النتيجة (!)

الخلاصة - و رغم أنني ممن تدق نظرية المؤامرة جرس إنذار لديهم - إلا أنني من اليوم الأول لم آخذ استطلاعات الرأي تلك بالجدية الكافية لأنها على ما يبدو تُركز على المقيمين في المدن الكبرى في الوجه البحري و القاهرة بصفة خاصة لا لشيء إلا تكاسل من الصحفيين القائمين بالاستطلاع و عدم توافر الكفاءة و الإمكانات اللازمة لديهم.

21 مايو 2012

نظرة على انتخابات الرئاسة المصرية

أقل من 48 ساعة على بدء الاقتراع في الداخل. لنلقي نظرة على فرص المرشحين
للتذكير نسب التصويت للقوائم في انتخابات مجلس الشعب كانت كالتالي:
  • الحرية و العدالة (الإخوان المسلمون) 36.4 %
  • النور (الدعوة السلفية بالإسكندرية و معها الجماعة الإسلامية) 27.06%
  • حزب الوفد (ليبرالي) 8.91%
  • الكتلة المصرية (ليبراليين و يساريين) 8.74%
  • حزب الوسط 3.55%
  • الثورة مستمرة (يسار) 2.67 %
  • باقي الأحزاب (غالبا حزب وطني سابق) 12.66%
1- محمد مرسي: مرشح جماعة الإخوان المسلمين، و يكاد يكون الوحيد المترشح عن حزب سياسي، إذا استثنينا مرشحي الأحزاب ضعيفة التأثير و التواجد في الشارع المصري. يملك أقوى الفرص في المرحلة الأولى، و يعتمد نجاحه في المرحلة الثانية على من سيكون منافسه. لن يحوز على كل أصوات الإخوان في انتخابات مجلس الشعب. بل سيزيد و ينقص لعدة أسباب. سينقص لأن التصويت في انتخابات مجلس الشعب يتدخل فيه تواجد المرشح في دائرته و خدماته، و الإخوان متميزون في هذا المجال. من تقدم له إحسانا بالتأكيد سيعطيك صوته، لكن الأمر يختلف حين يطلب منك إعطاء صوتك لشخص يعرفه. هناك البعض من السلفيين أيضا صوت لصالح الحرية و العدالة في مجلس الشعب على أساس أن مرشحي الإخوان أكثر كفاءة من نظرائهم السلفيين. أما ما يزيد فرص مرسي فهو أنه الوحيد الذي يدعمه حزب، و هذا فارق ضخم جدا. من تابع انتخابات النقابات سيدرك ما أتحدث عنه. مرشح حزبي وراءه كتلة تصويتية كبيرة و متطوعين يستطيعون حشد و تعبئة الأصوات فرصه أقوى بكثير من المستقلين، لاسيما حين يكثر عدد المستقلين و تتفتت أصواتهم. تسبب خروج عدد من المرشحين الأقوياء مثل حازم أبو إسماعيل و عمر سليمان و خيرت الشاطر في تقوية مركز مرسي الذي وجد عددا كبيرا من الأصوات الحائرة بعد خروج هؤلاء استطاع أنصاره حشد نسبة كبيرة منها، لذا مرسي صاحب فرصة كبيرة جدا في الجولة الأولى.

2- عمرو موسى: سيقول الثوريون إن الشعب أسقط فلول الوطني في انتخابات البرلمان و هذا جزء من الحقيقة، لكن الواقع أن سببا رئيسيا لسقوطهم هو اتساع دوائر الفردي و التي أدت لإضعاف تأثير أنصارهم و فقدهم لأدوات الحزب الوطني اللوجستية التي كانت تحشد و تعبئ أنصارهم، فضلا عن أن أغلب رموز الوطني السابق نزلوا في انتخابات الفردي و خرجوا بعد صراع شرس جدا (تذكر طارق طلعت مصطفى ضد محمود الخضيري في الإسكندرية، و علي المصيلحي في الشرقية كلهم نافسوا حتى الأمتار الأخيرة) كما و أن تفرق هؤلاء على عديد الأحزاب أدى لعدم حصولهم على نسبة توازي تواجدهم الفعلي، هذا بالإضافة لأن عددا منهم نزل على قوائم بعض الأحزاب الأخرى كحزب الوفد. في انتخابات الرئاسة الأمر يختلف، فحتى دون وجود تنسيق مركزي، سيصوت هؤلاء لشخص واحد و لن يتوزعوا كما حدث في انتخابات الشعب على عدة أحزاب، كما و أن كون دائرة الرئاسة واحدة إجمالية لمصر كلها ستعني أن كل صوت سيكون له حسابه، دعك من أن الكثيرين ينظرون لموسى على أنه رجل دولة يتمتع بكاريزما تناسب مكانة منصب رئيس الجمهورية. يملك فرصة في دخول الإعادة، و لكن هذا يتوقف على توزيع الأصوات بينه و بين أحمد شفيق.

3- عبد المنعم أبو الفتوح: المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين و الذي يمثل حالة خاصة جدا في معادلة الرئاسة، فالكل معجب به و يتوجس منه في نفس الوقت. خطابه قادر على جذب مؤيدين من مختلف التيارات، لكن هذا ينسج حالة من الضبابية حوله، تجعل الجميع لا يستطيع الجزم بما إذا كان فعلا وسطيا أم أنه يجيد اللعب على كل الحبال، دعك من اعتقاد البعض أنه المرشح السري لجماعة الإخوان المسلمين. أبو الفتوح كانت فرصه ضعيفة بوجود أبو إسماعيل و الشاطر لكن خروجهم و الدفعة التي حصل عليها بتأييد حزب النور السلفي له ترفع من أسهمه كثيرا، فرغم أنه ليس من أبناء الحزب، لكن على الأقل يستطيع الاستفادة من إمكانات الحزب و قواعده الجماهيرية التي تزيد في بعض التقديرات على قواعد الإخوان أنفسهم. يضعف من موقفه أن ليس جميع السلفيين يدعمونه كالشيخ محمد عبد المقصود الذي يؤيد مرشح الإخوان، و الشيخ أبو إسحق الحويني الذي لم يؤيد أي من المتبقين، كما أن عدم دعم حزب النور سابقا لحازم أبو إسماعيل و تخليه عنه قد ترك غصة في حلوق بعض شباب السلفيين تجاه الحزب و هؤلاء قد لا يذهبوا للتصويت أساسا. يملك أقوى الفرص في الإعادة، لكن وصوله للمرحلة الثانية محل شك.

4- حمدين صباحي: من يؤيده غالبا بعد استبعاده للفلول و الإسلاميين، و من يرفضه لكونه لازال يتبنى الفكر الناصري الذي من المفترض أنه خسر معركته في عام 1967. لا يملك قاعدة جماهيرية كبيرة خارج محافظة كفر الشيخ و هذه ربما أحد أسباب عدم تفضيله من قِبَل الكثيرين الذين لا يرون فرصة حقيقية له، و لا يريدون إضاعة صوتهم على مرشح لا يملك حظوظا في دخول الإعادة. هؤلاء هاجسهم الأكبر إعادة بين اثنين من الثلاثي مرسي و موسى و شفيق لذا يميلون لتفضيل عبد المنعم أبو الفتوح صاحب الفرصة الأوفر في دخول الإعادة، لكن ربما نتيجة تصويت المصريين في الخارج تحيي أمل صباحي من جديد، حيث حل ثالثا بعد مرسي و أبو الفتوح، ما يُضعف تأثير هذا الهاجس. فرصه بعيدة جدا.

5- أحمد شفيق: آخر رؤساء وزراء مبارك و لازال الكل يذكر مواجهته مع علاء الأسواني التي تسببت في خروجه من الوزارة، و إذا كان هناك من نسيها فما يحدث في مؤتمراته الانتخابية - و آخرها واقعة قذف حذاء على منصته- يكفي لرسم صورة لمستقبل البلاد إذا فاز شفيق بالرئاسة. عسكري سابق و هو ما لا نحتاجه بعد الثورة و لا بعد ما حدث في الفترة الانتقالية. مستبعد جدا أن يفوز بالرئاسة لأنه فقد أهم مقومات المنصب، الهيبة. وجوده سيؤثر على فرص عمرو موسى، و إن كان سيعطينا مؤشر على نتيجة انتخابات الإعادة حال كان موسى أحد طرفيها.

6- محمود حسام: من بين باقي المرشحين أنتظر نتيجته أكثر من غيره. الوحيد من غير الأربعة السابقين ( موسى و أبو الفتوح و صباحي و شفيق) الذي تقدم بأوراق ترشحه مؤيدا من أكثر من 30 ألف ناخب و لازال مجهولا للآن. لست أدري كيف حصل على هذه التوقيعات.

7- خالد علي: محامي البسطاء كما يطلق عليه أهل تويتر. عدم قدرته على جمع 30 ألف توقيع في الوقت الذي استطاع الآخرون جمعهم ببساطة يجعل فرصه تكاد تكون معدومة.

8- محمد سليم العوا: محامي و مفكر إسلامي. تخلى عنه الكل حتى حزب الوسط الذي كان العوا يُعتبر مرجعية له. لم يستطع هو الآخر جمع الثلاثين ألف توقيع و اكتفى بتزكية نواب من البرلمان. مع وجود موسى و أبي الفتوح تقل فرصه جدا.

9- هشام البسطويسي: قبل الثورة كان أحد القلائل الذين وقفوا في وجه الطاغية في عز جبروته. أما بعد الثورة فينحدر يوما بعد يوم، من اقتراح دستور يعطي العسكر حق التدخل في شؤون الدولة إلى الترشح عن حزب التجمع، واحد من أسوأ الأحزاب المصرية على الإطلاق.

10- حسام خير الله: ضابط جيش و مخابرات سابق، لا يتمتع بأي شعبية تُذكر في الشارع.

11- أبو العز الحريري: عضو مجلس شعب حالي معروف بمعارضته السابقة للنظام و أحد "المشاغبين" تحت قبة البرلمان في دورات سابقة. يساري التوجه، و لا فرصة لديه في وجود صباحي و خالد عالي.

12- محمد فوزي عيسى: انسحب لصالح عمرو موسى!!

13- عبد الله الأشعل: دبلوماسي سابق إسلامي التوجه، لا يملك أي فرصة حقيقية و يعلم هو ذلك جيدا، لكنه دخل السباق الرئاسي في نفس وقت محمد مرسي و لنفس السبب تقريبا، بعد علمهما باتجاه اللجنة الرئاسية لاستبعاد أبو إسماعيل و الشاطر.

18 مايو 2012

حالة مرشح احتياطي: عن مشروع النهضة

منذ اعتبار محمد مرسي مرشحا رسميا للإخوان المسلمين و ذراعها السياسية حزب الحرية و العدالة، و كل الهجوم ينصب على شخصية المرشح و افتقاره للكاريزما، ما دفع الإخوان للادعاء بأن الشخص لا يهم و إنما المهم هو المشروع أو البرنامج
و قدموا في هذا الإطار برنامجا تحت اسم "مشروع النهضة"
يُقال -بحسب الإخوان- أن إعداد هذا البرنامج بدأ منذ أكثر من عشر سنوات - خمس عشرة سنة في بعض الروايات- و اشترك في إعداده مئات الخبراء
حين قمت بقراءة البرنامج للمرة الأولى، لم أجد اختلافا كبيرا في أول عشرين صفحة عن برنامج حزب الحرية و العدالة نفسه فالمعنى متطابق و إن اختلفت بعض الكلمات هنا و هناك ما دفعني لعدم إكمال قراءة البرنامج، لكن بعد الثناء على البرنامج من بعض من أثق برأيهم قررت خوض جولة أخرى.
و بعد حوالي 30 صفحة شبه منقولة بالنص من برنامج الحزب (لا يوجد ما يعيب في هذا، لكن النقل و تغيير عنوان المشروع هو نوع من أعمال الطفولة) بدأت الأرقام الحقيقية
في صفحة 38 (أو 39 في البي دي إف) يوجد ما يلي
أولا دعونا نعرف الناتج المحلي الإجمالي لمن لا يعرف
هو إجمالي قيمة السلع و الخدمات التي يتم إنتاجها في مكان ما في فترة زمنية معينة (سنة غالبا)، لكن هذا ليس دائما هو المعيار الوحيد لقياس حالة الاقتصاد. لماذا؟
دعنا نفترض أن مصر تنتج مليون طن من القمح و سعر الطن الواحد ألف دولار (مجرد أرقام افتراضية)
إذن قيمة إجمالي إنتاج مصر من القمح = مليار دولار
لكن، ماذا لو ارتفع سعر طن القمح في السنة التالية ليصبح 1200 دولار مع ثبات الإنتاج؟
سترتفع قيمة إجمالي إنتاج مصر إلى مليار و 200 مليون دولار، لكن هذه الزيادة تمت دون زيادة حقيقية في الإنتاج
هذه الزيادة قد تحدث لعدة أسباب منها التضخم، و فرق سعر العملة  و غيرها
لذا تم تعريف مصطلح آخر و هو الناتج المحلي الإجمالي (تعادل القدرة الشرائية)
باللغة الإنجليزية Gross Domestic Product (Purchasing Power Parity)
هذا المقياس يأخذ في الاعتبار تلك العوامل السابقة و يعطي صورة أدق لحجم الإنتاج في بلد ما (الدقة ليست بنسبة 100% لاختلاف سلة السلع الرئيسية بين مكان و آخر و إن كان هناك بعض المحاولات لتقريب هذا الأمر باعتبار سلعة مثل شطيرة ماكدونالدز هي نقطة الأساس لحساب هذا المقياس للتفاصيل)
المهم ما يعنينا هنا هو:
الناتج المحلي الإجمالي لمصر عام 2011 يساوي 220 مليار دولار (تقدير البنك الدولي يختلف عن تقدير صندوق النقد الدولي و تقدير المخابرات المركزية للتفاصيل) و هذا هو المذكور في مشروع النهضة
أما الناتج المحلي الإجمالي (تعادل القدرة الشرائية) لمصر عام 2011 فهو تقريبا 501 مليار دولار (أيضا تختلف التقديرات للتفاصيل)

لماذا كل هذه التفاصيل؟
حسنا، إن معدل النمو الذي يعد به مشروع النهضة هو نمو في الناتج المحلي الإجمالي (تعادل القدرة الشرائية) و ليس في الناتج المحلي الإجمالي!!!!!
و لست أدري كيف مرت نقطة كهذه على من كتب و راجع و قرأ و أبدى إعجابه بهذا المشروع!!!

و لمن يريد التأكد من أن معدل النمو يتم حسابه للناتج المحلي الإجمالي (تعادل القدرة الشرائية) و ليس للناتج المحلي الإجمالي
من صفحة مصر على موقع CIA Factbook هنا ثم اضغط على Economy
أو من موقع البنك الدولي تطور الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم    و   معدل النمو و يمكن لمن أراد أن يحسب معدل النمو بناءا على المعلومات من الوصلة الأولى و لن يجدها تتطابق و لا تقترب حتى مع المعلومات في الصفحة الثانية لأي دولة، ما يدل على أن معدل النمو لا يُحسب للناتج المحلي الإجمالي.

يمكن بالطبع حساب معدل النمو للناتج المحلي الإجمالي، لكن هذا الرقم عادة يكون ذو قيمة عالية (بسبب التضخم)، فمثلا الناتج المحلي الإجمالي لمصر ارتفع بنسبة 24.41% بين عامي 2007 و 2008 هنا
و إذا كان هذا المصطلح هو ما يقصده حزب الحرية و العدالة فلا ريب أننا لن نرضى بمعدل نمو أقل من هذا، أليس كذلك؟

إن معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي -لو أن هذا ما يقصده حزب الحرية و العدالة- يعني أن مصر بعد 12 سنة سيصبح متوسط نصيب الفرد فيها من الناتج المحلي الإجمالي أقل من نظيره في ناميبيا حاليا (اضغط هنا) فأي نهضة هذه؟!
أما لو كما هو مفترض أن يكون النمو في الناتج المحلي الإجمالي (تعادل القدرة الشرائية) فسيعني أن يصبح نصيب الفرد -تقريبا- مثل نظيره في دول مثل البرازيل و إيران حاليا (طبعا من الوارد أن يرتفع نصيب الفرد في هذه الدول في نفس الفترة) اضغط هنا

إن هذا ليس خطئا بسيطا في مشروع النهضة، لكنه يعني جهل ببديهيات الأمور الاقتصادية
ثم إن هذا ليس الخطأ الوحيد في هذه الصفحة
فحتى على أرقامهم، النمو في ناتج محلي إجمالي من 220 مليار إلى 478 مليار في عام 2023 يعني معدل نمو 7% تقريبا و ليس 9%
في صفحة 29 من المشروع يذكرون الرقم الصحيح، 7%، و يذكرون كذلك أنه نمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (و هو تعبير آخر عن الناتج المحلي الإجمالي (تعادل القدرة الشرائية))

بالمناسبة، من المتوقع لمصر أن تحقق متوسط معدل نمو أعلى من الرقم الذي يعد به حزب الحرية و العدالة في برنامجه
لو اعتبرنا متوسط نمو 7% فإن الناتج المحلي الإجمالي (تعادل القدرة الشرائية) لمصر سيصل إلى 726 مليار دولار في عام 2017، في حين أنه من المتوقع طبقا لصندوق النقد الدولي أن يصل إلى 756 مليار دولار (معدل نمو 7.9% تقريبا) اضغط هنا

و خطأ ثالث يمكن اكتشافه إذا قمت بتجميع الجدول الثاني (توزيع الناتج المحلي الحقيقي) فستحصل على إجمالي 487.74 مليار دولار و ليس 478 مليار!!
طبعا الرقم حدث فيه تبديل بين رقمي 7 و 8 لكن هذا يعني بكل بساطة أن من قام بكتابة مشروع النهضة، كان يجمع و ينقل الأرقام يدويا و لا يدري شيئا عن برنامج حسابات كالإكسيل، و يتحدثون عن وادي التكنولوجيا!!

مشروع النهضة على صفحة الحزب الرسمية على فيسبوك اضغط هنا

11 مايو 2012

أنور السادات - البحث عن الذات

البحث عن الذاتالبحث عن الذات by أنور السادات
My rating: 3 of 5 stars

كتاب يحكي مرحلة مهمة في تاريخ مصر، من قبل ثورة 1952 حتى زيارة السادات للقدس. الكتاب بعيد تماما عن المصداقية بطبيعة الحال، كأي كتاب يكتبه مسؤول مصري، لكن في كل الأحوال هو ضروري لمن يريد التعرف على هذه المرحلة من تاريخ مصر من أحد أبنائها. لا أعتقد أنه يكفي وحده، يحتاج المرء لعدة كتب عن كل مرحلة لكي يتبين الصدق وسط كم الأكاذيب و المغالطات الغير معقول
الكتاب يحوي فصلا كاملا أشبه برؤية فلسفية للسادات يقول أنها تكونت لديه في الزنزانة 54. قراءة هذا الفصل ممتعة و إن كان السادات يمدح نفسه كثيرا، و هو ما يفعله طيلة الكتاب، فهو يصف نفسه بالوحيد في مجلس قيادة الثورة الذي لم يكن يريد منصبا و لا سلطة و هو المنحاز دائما للشعب، كما يعزف على وتر ابن القرية المحبب للمصريين.
لم يعجبني استخدامه لكلمات مثل "شعبي" و "قواتي المسلحة" في الفصول الأخيرة ، فهو لم يستخدمها في الفصول الأولى حين كان مواطنا عاديا أو ضابطا صغيرا، أو حتى عضوا في مجلس قيادة الثورة، فبدت بصيغة التملك و ليس الانتماء
تقييمي للكتاب 3/5. كنت سأعطيه 4 نجوم، لكن بعد ثورة يناير أعتقد أن هذه الفترة من تاريخ مصر لم تعد بتلك الأهمية.

مقتطفات من الكتاب (لا تقرأها إن لم كنت قرأت الكتاب بعد و تريد الاستمتاع به)

كالعادة، مصر عبد الناصر... مصر السادات... مصر مبارك... و قريبا مصر؟؟


البعض سيقول عن هذا ذكاء، دهاء، نصاحة..


إهداء خاص لمتبني نظرية المؤامرة و الصفقات، إلخ

في مصر لم تقم مظاهرات و سادت سعادة تامة !!!
بعد عودته من القدس

18 أبريل 2012

كيف يفكر المجلس العسكري (3) عن ترشح عمر سليمان

حسنا الآن ترشح عمر سليمان في مبادرة درامية قبل غلق باب الترشح بأقل من 48 ساعة ثم تم استبعاده، و لهذا عدة احتمالات:
  1. تقدم عمر سليمان بمبادرة فردية منه دون تنسيق مع المجلس العسكري و كان قرار استبعاده من اللجنة الرئاسية كذلك فرديا دون تدخل من المجلس العسكري
  2. تقدم عمر سليمان بمبادرة فردية لكن استبعاده جاء بضغط سياسي من المجلس العسكري على اللجنة.
  3. تقدم عمر سليمان بدعم من المجلس العسكري و استبعاده تم دون ضغط سياسي
  4. تقدم عمر سليمان بدعم من المجلس العسكري و تم استبعاده بضغط سياسي من المجلس العسكري.
أعتقد أن مرشحا بحجم عمر سليمان لم يكن ليترشح دون دعم إحدى القوى المؤثرة على الأرض، و حتى إن قرر العكس و التقدم بنفسه دون أي دعم سياسي فبالتأكيد لم يكن لينتظر حتى اليوم الأخير لإعلان نيته في التقدم للترشح. هذا انتحار سياسي، لذا يمكننا استبعاد تقدمه بمبادرة فردية (الاحتمالين الأول و الثاني)
كذلك لا أظن أن عمر سليمان سيذهب و من خلفه المجلس العسكري ثم يخطئ في أمر بسيط كعدد التوكيلات المطلوبة من إحدى المحافظات.
لا يتبقى و الحال هكذا إلا الاحتمال الأخير و هي أن ترشحه و استبعاده جاءا في إطار مناورة سياسية.
لكني لن أكتفي بترجيح هذا الاحتمال بنظرية الاستبعاد، بل سأؤكد عليه بالآتي من تصريحات أمين عام لجنة الانتخابات الرئاسية حاتم بجاتو
وأضاف بجاتو أنه عندما تصل الصناديق الى مقر اللجنة يقوم بوضع اسم المرشح وكود المحافظة على كل صندوق ووضع رقم مسلسل على كل صندوق ثم يضع كل 1000 تأييد وعليه رقم المحافظة بعد تغليفه فى صندوق ثم يغلقه بلاصق غير قابل للفتح ثم يقوم بتحرير محضر ويقوم بالإمضاء عليه ويعطي مندوب المرشح صورة من المحضر بعد أن يمضي عليه المندوب، مشيراً إلى أنه لايتم إعادة فتح هذه الصناديق الا في حالة الطعن أو تحرير محضر وتقوم اللجنة بالتعامل مع النسخ المرقمة ضوئيا.
على لسان أمين عام لجنة الانتخابات لا يتم إعادة فحص التوكيلات إلا بعد تقديم طعن ضد هذه التوكيلات، بل و يؤكد أنه يتم تغليف التوكيلات بلاصق غير قابل للفتح!!!!!!!

و بحسب الموقع الرسمي للجنة الانتخابات الرئاسية فإنه لم يتقدم أحد المرشحين بطعن ضد عمر سليمان المصدر
لكن الأهم من هذا هو التأكيد في نهاية الصفحة
هذا وقد تقدم العديد من المواطنين بشكاوى ضد بعض المرشحين، والمعلوم أن المادة 14 من قانون تنظيم الانتخابات الرئاسية الصادر بالقانون رقم 174 لسنة 2005 يقصر حق الاعتراض على المرشحين دون غيرهم.
فمن تقدم بالطعن على عمر سليمان ليتم إعادة فحص توكيلاته؟؟؟؟

حسنا قد يكون من إجراءات اللجنة الاستفسار بنفسها من مكاتب توثيق الشهر العقاري عن التوكيلات دون تقديم أي طعون  و هذا يطرح أحد احتمالين
  1. بعض المواطنين قاموا بتأييد أكثر من مرشح و بالتالي بطلت أصواتهم.
  2. قام عمر سليمان و أنصاره بتزوير بعض التوكيلات.
و يمكننا مباشرة استبعاد الاحتمال الثاني، إذ أنه لو كان عمر سليمان قد قام بتزوير بعض التوكيلات، فكيف لم تكتشف اللجنة التزوير مباشرة في العد الأول؟؟ أما إذا كانت الأختام سليمة و لكن لا أصل في مكاتب الشهر العقاري فهذا يدفعنا للتساؤل، إذا كان عمر سليمان قد استطاع تزوير الأختام، فهل لم يملك تسجيل التوكيلات في الشهر العقاري؟ لا ريب أن من يملك الأختام يملك التسجيل كذلك، و لن تفوته هذه النقطة، ثم إنه بالتأكيد لم يسجل بعض التوكيلات و يغفل عن البعض الآخر.
أما الاحتمال الأول فهو يعني و بكل بساطة أن عمر سليمان لم يكن يرتب نفسه لهذا اليوم جيدا، بدليل أنه انتقى بعض المواطنين عشوائيا لكي يحشدهم لتأييده، رغم أن كل الشواهد تدل على أن الكثيرين من ذوي النفوذ كانوا ينتظرون هذه اللحظة، ثم إن ذلك يضع هؤلاء المواطنين (31 في أسيوط على الأقل) تحت طائلة القانون و لا أعتقد أن أحدا من مؤيدي سليمان سيفعل ذلك من أجله.

إن عمر سليمان قد تم استبعاده بقرار سياسي من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، و ليس بقرار إداري من اللجنة العليا للانتخابات بسبب خطأ قانوني في أوراق تقدمه للانتخابات!!
و هذا يدفعنا للتساؤل عن أسباب هذا، و لكل أن يتخيل ما يحلو له
- التغطية على استبعاد حازم أبو إسماعيل و / أو خيرت الشاطر
- إيهام المواطنين بحياد المجلس العسكري و لجنة الانتخابات
- الإيحاء بعدم وجود مرشح للمجلس العسكري في انتخابات الرئاسة
- تطمين المواطنين و القوى السياسية و خلق حالة من الاسترخاء بعد خروج أخطر مرشح من النظام السابق و الرضا بفوز أي شخص آخر

لكن في كل الأحوال، تبقى حقيقة واحدة لمن لم يدركها بعد...
المجلس العسكري لا يقف محايدا في انتخابات الرئاسة القادمة

17 أبريل 2012

كيف يفكر المجلس العسكري (2) عن نظرية المؤامرة

في الأيام الأخيرة، بسبب ترشح خيرت الشاطر ثم عمر سليمان لمنصب رئيس الجمهورية ثم استبعادهما مع آخرين، أخذت التحليلات تتخبط و أصبحت نظرية المؤامرة مثار سخرية و تهكم
هنا مثال
اضغط على الصورة لتكبيرها أو اذهب لمصدر الكلام هنا

لم أكن أتوقع أن أقرأ هذا الكلام، خاصة من أحد الأذكياء مثل وائل غنيم
صحيح أن الشعب المصري يعشق الإفتاء بعلم و غير علم في أي شيء و كل شيء، إلا أن المجلس العسكري أثبت خلال ما يزيد على أربعة عشر شهرا أنه يتآمر على مستقبل البلد

دعونا نعد للوراء قليلا

الموقف الأول:
1- بعد معركة الجمل، يا جماعة الجيش عمره ما هياخد صفنا و مبارك قائدهم الأعلى و رجل عسكري و هم بيقدروه و يستحيل يخلعوه
2- بعد التنحي، يا جماعة كان لازم الجيش يعمل كده و يضحي برأس النظام عشان يضمن استمرار سيطرته على الدولة و يظهر بمظهر حامي الثورة

الموقف الثاني:
1- قبل الاستفتاء، "نعم" هي اللي هتخلي المجلس العسكري يستمر في الحكم أطول.... "لا" هي اللي هتعمل كده
2- بعد الاستفتاء، مكنتش فارقة كتير و المجلس العسكري ضحك علينا كلنا و نفذ اللي هو عايزه و هو التفريق بيننا و ده اللي هيخليه يستمر في الحكم أطول

الموقف الثالث:
1- قبل انتخابات البرلمان، المجلس يستحيل هيعمل انتخابات بالعكس هيتسبب في فوضى عشان تتأجل و يعلن الأحكام العرفية
2- بعد الانتخابات، ما هو أصلا العسكري عارف إن البرلمان ملوش صلاحيات و ضحك على الإخوان.

قد تبدو تلك التحليلات متناقضة للوهلة الأولى، لكنها ليست كذلك
التحليلات ثابتة على خط استراتيجي واحد "المجلس العسكري يتأمر على الثورة، و لن يسلم الحكم -بسهولة على الأقل- لمدنيين" لكنها تختلف في التكتيك المتبع لتحقيق ذلك "سحق المتظاهرين أم خلع مبارك" ، "استفتاء أم لا" ، "انتخابات أو لا انتخابات"

الفارق بين الاستراتيجية و التكتيك هو كالفارق بين الخطوط العريضة لخطة ما و تفاصيل هذه الخطة
الاستراتيجية هي الخطوط العريضة و التكتيك هو التفاصيل
و ليس من الضروري لمن يتوقع إحداهما أن يستنتج بالتأكيد الأخرى
ثم إن أي شخص لا يستطيع تحليل جميع المواقف المستقبلية بنسبة 100%
لا أحد يهبط عليه الوحي مثلا لكي يدعي معرفته الأكيدة بالغيب

و هناك أسباب كثيرة قد تجعل المجلس العسكري يغير تكتيكه للمحافظة على استراتيجيته الرئيسية منها
- الانحناء أمام العاصفة
- التنازل عن بعض المكاسب الصغيرة من أجل تحقيق مكاسب أكبر
- التنازل عن أحد المكاسب مؤقتا و استرداده بطريقة شرعية فيما بعد

الخلاصة أن هناك عديد العوامل التي قد تجعل المجلس العسكري يغير خطته و طريقة تفكيره -دون الاستغناء عن الهدف الأصلي- و في هذه الحالة يصبح تقييم التحليل القديم بناءا على الوضع الجديد عملية غير سليمة.

16 أبريل 2012

كيف يفكر المجلس العسكري

من أكثر الأمور إثارة للجدل هذه الأيام هي توقع الخطوة القادمة للمجلس العسكري. المشكلة حين يقوم أحد الأذكياء بمحاولة تفسير أفعال المجلس يراها بدائية و "خايبة" و العكس حين يفعل ذلك أحد محدودي الذكاء، فتبدو له أفعال المجلس عبقرية
أنا لست مع هذا الرأي أو ضده
المجلس العسكري ليس عبقريا و لا غبيا كذلك
هم يعرفون مجموعة من القواعد يطبقونها بحذافيرها
إحدى هذه القواعد هي تلك المستخدمة في الهجوم
الهجوم العسكري لا يتم على محور واحد و لا اثنين بل على ثلاثة محاور
1. اتجاه الهجوم الرئيسي: و هو الأصل
2. اتجاه الهجوم الثانوي: أو ما يعرفه العامة باسم الخطة (ب) في حالة فشل الهجوم الأصلي
3. اتجاه الهجوم الخداعي: لتشتيت أنظار العدو

و الحقيقة أنه لا يوجد مانع من نقل مركز ثقل الهجوم على أحد الاتجاهات الثلاثة في حالة تحقيقه لنجاح كاسح و/أو مواجهة صعوبات على الاتجاهين الآخرين.
مثلا في حالة تحقيق الهجوم الخداعي لمفاجأة العدو و وجود فرصة لمحاصرته و تطويقه مع وجود صعوبات في الهجوم الرئيسي يصبح من الغباء عدم نقل بعض القوات و المجهود باتجاه هذا المحور لضمان النصر.

تذكرت هذا و أنا أقرأ تحليلات البعض عن سؤال الساعة "من هو مرشح المجلس العسكري في انتخابات الرئاسة، إن كان له مرشح أصلا؟"
الحقيقة أن الكثيرين يخطئون في توقع خصم المجلس العسكري لأنهم يفترضون أنه سيكون له مرشحا واحدا. و هذا رغم أنه يتنافى مع قواعد الهجوم في العلم العسكري إلى أنه يتنافى كذلك مع مبدأ بسيط آخر و هو "لا تضع البيض كله في سلة واحدة"

المجلس العسكري ليس له مرشح واحد في هذه الانتخابات بكل تأكيد لعدة أسباب أولها أنه لن يغامر بخسارة إرث 60 عاما في حالة فشل هذا المرشح، و ثانيها أنه بذلك سيعطي الفرصة للقوى السياسية للاتفاق على مرشح واحد لمواجهته (حتى لو كان في مرحلة الإعادة فقط) و ثالثها أنه يطبق مبادئه العسكرية التي لا يعرف غيرها.

لكل هذه الأسباب لا أفترض وجود مرشح وحيد للمجلس العسكري في انتخابات الرئاسة.